مشاهدة النسخة كاملة : زادكـ في دقائق .. مع المربي الفاضل الشيخ " حبيب الكاظمي " ~
شاه زنان ~
05-05-2010, 05:39 PM
http://www.saifoali.org/up/files/32l093i6yx8yy4sxoy1j.gif
http://www.saifoali.org/up/files/nfldwf5lcc22tq4mvudc.gif
http://www.saifoali.org/up/files/wgsmlqbf8qupgfozr1gq.gif
كـ بداية أعود من جديد و أطرح سلسلة حلقات زادك في دقائق مع الشيخ الفاضل ..
حبيب الـ كاظمي ..~ "حفظه الله"
http://www.saifoali.org/up/files/eusw9tfiul05bkq7pnew.jpg
http://www.saifoali.org/up/files/jav0t3zs7r49mkec75xm.gifhttp://www.saifoali.org/up/files/jav0t3zs7r49mkec75xm.gif
شاه زنان ~
05-05-2010, 05:50 PM
عنوان الزاد : العزة الإيمانية والصفح عن الآخرين
إن هناك حيرة عند المسلمين، حيث يقولون: لا ندري ما هو التكليف في هذه الحالة حيث يقول تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}.. فالله -عز وجل- أوكل أمور المؤمن إلى نفسه، إلا أن يذل نفسه.. ليس له الحق أن يجعل نفسه في مواضع الذل والوهن، وهذه قضية بديهية واضحة في الشريعة.
ولكن من ناحية أخرى أمرنا بالصفح عن زلل الغير، حيث يقول تعالى في كتابه الكريم: {رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}، {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.. وعن علي (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أدلك على خير أخلاق الأولين والآخرين؟.. قال: قلت: يا رسول الله، نعم.. قال: تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك).. فكيف نجمع بين العزة الإيمانية، وبين الصفح عن زلل الغير؟.. وهذه من المشاكل الأخلاقية.
إن القضية تختلف باختلاف الموارد، فالعزة الإيمانية أو إثبات الشخصية الإيمانية لها موراد، وكذلك العفو له موارد.. والقوانين غير منضبطة في هذا المجال، ولكن إجمالا: إذا كان العفو عن الظالم يوجب له مزيدا من الظلم، نعم في هذا المورد يجب أن يأخذ موقفا حاسما؛ ولكن من باب دفع الظلم، وعدم تمادي الغير في الباطل.
أما إذا كانت القضية بالعكس؛ أي أن عفوي عمن ظلمني يوجب احترام الطرف المقابل؛ فإنه يجب العفو.. فهذه قاعدة معروفة، عندما تغضب المرأة على الرجل، ويسكت ويحسن إليها بسكوته؛ فإنه يدخل إلى قلب المرأة بهذه الحركة.. هو أراد أن يملكها بالعنف وغيره، ولكنه احتواها بتصرفه هذا.. الإمام الحسن (ع) بصبره وحلمه على الشامي الذي كان ينصب له العداء، تحول إلى إنسان موال.. فالإمام (ع) كسب الجماهير؛ بصبره، وحلمه، وسكوته على من ظلمه.
وعليه، فإن المؤمن في هذا المجال ينظر إلى الأمر، ويدرسه دراسة ودية.. هناك قاعدة في القرآن الكريم تقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، وهناك قاعدة أخرى تقول: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.. نحن عندما نتخاصم مع أحد، فإن الحل عندنا هو المحاكم، ولكن القرآن يقول: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.. وبالنسبة إلى الزوجين المتخاصمين يقول: {إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}.
فإذن، إن القاعدة العامة هي: رحماء بينهم، وإذا أراد الإنسان أن يخرج من الرحمة؛ لا بد له من سبيل!..
شاه زنان ~
05-05-2010, 05:57 PM
عنوان الزاد : قضاء صلاة الفجر
إن الإنسان -بعض الأوقات- يستيقظ، وقد طلعت عليه الشمس.. فما هو الحل، وما هو الإحساس الطبيعي والمطلوب في هذا المجال؟..
أولا: الشعور بالندامة.. إن الذي يستيقظ بعد طلوع الشمس، ويرتاح لذلك لأنه أكمل نومه.. هذا الإنسان لم يرتكب حراما، ولكنه قد يحرم من صلاة الفجر شهرا كاملا؛ لأنه فرح بعدم توفيقه للقاء رب العالمين.. إذن الخطوة الأولى الشعور بالندامة.
ثانيا: الإسراع في القضاء.. إن الإنسان يتعجب عندما يرى شابا بكامل قواه، وعندما يسأل: ما وصيتك؟.. يقول: أوصي أن يصلى عني صلاة آيات، أو قضاء صلوات واجبة!.. هو الآن معافى، ويأتي إلى المسجد، ووقت صلاة، ومكان صلاة.. فتراه يتكلم فيما لا داعي له، ولا يقضي ما عليه من الصلوات الواجبة.
فإذن، إن الخطوة الثانية هي أنه بمجرد أن يستيقظ، عليه أن يبادر إلى قضاء الصلاة.. ومع الأسف البعض يستيقظ وهو شاك في طلوع الفجر، ولا يصلي ما في ذمته؛ أي هو غير متيقن من طلوع الشمس، ومع ذلك يحجم عن الصلاة.
إن هذه الصلاة القضائية، من الممكن أن تكون عند الله -عز وجل- أفضل من الصلاة الأدائية؛ لأنه ربما عندما يستيقظ لصلاة الفجر، وبين الطلوعين؛ يدخله شيء من العجب، ويرى في نفسه شيئا من التميز.. أما بعد طلوع الشمس، فإنه يشعر بشيء من الخجل والوجل والتقصير؛ لذا من الممكن أن يكون مفعول هذه الصلاة، ليس بأقل من مفعول الصلاة الأدائية.. ولو أن إنسانا كل يوم ينام على أمل أن يستيقظ، وفي كل يوم يستيقظ بعد طلوع الشمس، ويبادر إلى القضاء السريع؛ فإن هذا من موجبات التكفير.
إن هناك بعض العوامل التي تساعد على الاستيقاظ للصلاة، منها:
أولا: تخفيف النوم.. عن الرسول (ص): (إياكم وكثرة النوم؛ فإن كثرة النوم يدع صاحبه فقيرا يوم القيامة).. وعن الصادق (ع): (إن الله يبغض كثرة النوم، وكثرة الفراغ).. وعن الصادق (ع): (كثرة النوم، مذهبة للدين والدنيا).
ثانيا: تخفيف طعام العشاء.. اجعل العشاء مبكرا، وليكن الطعام خفيفا؛ فإن ثقل العشاء يمكن أن يسلب من العبد بعض التوفيقات.. قال الصادق (ع): (ليس شيء أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل...الخبر).
ثالثا: الدعاء.. ولعل أهم عامل على الاستيقاظ، هو الدعاء.. قال الباقر (ع): (ما نوى عبد أن يقوم أية ساعة نوى، يعلم الله ذلك منه.. إلا وكل الله به ملكين يحركانه تلك الساعة).. عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: (من أحب أن ينتبه بالليل، فليقل عند النوم: اللهم!.. لا تنسني ذكرك، ولا تؤمني مكرك، ولا تجعلني من الغافلين، وانبهني لأحب الساعات إليك: أدعوك فيها فتستجيب لي، وأسألك فتعطيني، وأستغفرك فتغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.. يا أرحم الراحمين.. ثم يبعث الله -تعالى- إليه ملكين ينبهانه، فإن انتبه، وإلا أمر أن يستغفرا له.. فإن مات في تلك الليلة، مات شهيدا.. وإن انتبه لم يسأل الله -تعالى- شيئا في ذلك الوقت، إلا أعطاه).
رابعا: قراءة آخر آية من سورة الكهف.. إن قراءة آخر آية من سورة الكهف، تساعد على الاستيقاظ، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.
خامسا: النوم على وضوء.. إن من أهم المستحبات أن ينام الإنسان على وضوء؛ لأن من نام على وضوء كان فراشه كمسجده، أي إلى الصباح وهو في حال عبادة.. قال الصادق (ع): (من تطهر ثم أوى إلى فراشه، بات وفراشه كمسجده.. فإن ذكر إنه على غير وضوء، فليتيمم من آثاره كائناً ما كان.. فإن فعل ذلك، لم يزل في الصلاة وذكر الله عز وجل).
سادسا: تسبيح الزهراء (ع).. قال الصادق (ع): (من بات على تسبيح فاطمة -عليها السلام- كان من الذاكرين للَّه كثيراً والذاكرات).
إن من التزم بهذه الآداب، مع عدم نسيان آلة التنبيه؛ يرجى له أن يستيقظ لصلاة الفجر.. إن الحوائج الكبرى تعطى في صلاة الفجر، لما فيها من ثقل على الإنسان.. والقرآن الكريم يقول: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}؛ لأن هناك حركة للملائكة بين الطلوعين؛ حيث أن ملائكة الليل ترتفع، وملائكة النهار تنزل.. فهنيئا لمن كان من الذاكرين!..
شاه زنان ~
05-07-2010, 09:58 AM
عنوان الزاد : عدم الإعتناء بغير اليقين
إن من صفات المؤمن أنه لا يعتني بغير اليقين.. وكل ما يورث له الظن، الأصل فيه عدم الجدية، يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}.. فالمؤمن توجد في حياته أمور تثير الظن، والظن فوق الشك؛ الشك يحتمل نسبة خمسين بالمائة، وإن مال الاحتمال إلى السبعين أو الثمانين؛ فإنه يعتبر ظنا، وعامة الناس يحترمون هذا الظن.. طبعا إذا وصل إلى مرحلة اليقين، انتهى الأمر وأصبح حجة.. بعض العلماء يلحقون الاطمئنان بالقطع؛ أي 95 % لا يسمى قطعا، ولكن العقلاء عادة يحترمون هذه النسبة.. ولكن الكلام هنا بين الشك والظن.
ما هي الأشياء التي تورث الظن؟..
أولا: خبر الواحد: مثلا: إنسان يتحدث بكلام، يثير بغضاء المؤمن على أخيه المؤمن.. فهذا الأمر لا يورث القطع واليقين؛ لأنه لم ير بعينيه، ولكنه يورث الظن.. عن الإمام الصادق (ع): (فإن شهد عندك خمسون قسامة، أنه قال قولاً، وقال: لم أقله.. فصدقه، وكذبهم)؛ لأن هؤلاء من الممكن أن يشتبهوا في قولهم.. فإذن، إن خبر الواحد من موارد الظن.
ثانيا: ما ينقدح في النفس: ومن موراد الظن ما ينقدح في النفس الاحتمالية، وقد يكون منشؤه النوم.. هذه الأيام -مع الأسف- بعض الناس عندما يرى مناما، وكأنه منام يوسف.. يصبح الصباح وهو متألم؛ لأنه رأى مناما.. وقد يصبح الصباح وهو معجب بنفسه، ويقول بأنه رأى نبيا أو إماما.. وعندما يسأل: من أين علمت أنه الإمام؟.. يقول: هكذا انقدح في قلبي.. أي ظن في ظن: هو منامه ظني، وقوله أن من رآه هو الإمام كذلك ظن.. فكيف يبني الإنسان حياته على هذه الظنون؟..
ما هو موقف المؤمن تجاه ما يورث له الظن؟..
إن كل ما يرد في فكر المؤمن وعقله، عليه أن يذهب به إلى مختبر العقل والفهم الدقيق.. فإن كان هذا الظن يوجب له الارتياح، أو إذا كان هناك إمضاء شرعي لهذا الظن، نتعامل معه معاملتنا مع اليقين.. أما إذا كان الظن غير معتبر: كالمنامات، والأبراج، وقراءة الكف والفنجان؛ فإن هذه الأمور لا تورث اليقين.
إن الذي يتأثر بالظن، ويتأذى، ويخجل، وقد يصاب ببعض العوارض العصبية.. إن هذا الشخص غير مأجور في ابتلائه؛ لأنه هو من أوقع نفسه في البلاء.. والبلاء الذي يؤجر عليه الإنسان، هو ما كان قضاءً وقدرا.. أما الإنسان المهمل والذي يصاب ببعض الأذى من وراء إهماله؛ فإنه لا يؤجر على بلائه.. وكم يكون الأمر ثقيلا على الإنسان، أن يبتلى في الدنيا ببلية لا يؤجر عليها في آخرته!..
شاه زنان ~
05-07-2010, 10:01 AM
عنوان الزاد : كيف نجمع بين آية {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} والاستعانة بالغير؟
إن المصلي يقرأ في كل صلاة في سورة الحمد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؟.. وكما هو معلوم هناك فرق بين {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وبين نعبدك ونستعينك.. إذا قلنا: (نعبدك)، فإن هذا لا ينافي أن نعبد غير الله عز وجل، ولكن عندما نقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}؛ أي نعبدك حصرا.. {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، أي نستعين بك حصرا.
من حيث العبادة، كلنا نعبد الله -عز وجل- حقيقة وحصرا، ولكن المشكلة في الشق الثاني.. طبعا الشرك الخفي له مجاله، ولكن الكلام هنا عن الاستعانة؛ أي يا رب نستعين بك، ولا نستعين بأحد سواك.. فإذن، كيف نجمع بين هذه المقولة، وبين استعانة بعضنا ببعض في الحياة الدنيا؟..
نحن نستعين بذوي الاختصاص: بالطبيب والمهندس، ونجعل بعضنا وسطاء في قضاء الحوائج.. وروايات أهل البيت (ع) تدعونا إلى ذلك، قال الإمام الصادق (ع): (كفارة عمل السلطان، قضاء حوائج الأخوان).
كيف نجمع بين {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وبين الاستعانة بالغير كما هي سنة الحياة؟..
إن القضية جدا بسيطة: أي أستعين بأخي المؤمن على أنه سبب من الأسباب، وعلى أنه أداة بيد الله عز وجل {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.. ولو شاء الله لقلب فؤاده على خلاف ما هو يريد.. فرعون كان يقتل الأطفال، ولكن عندما وقع موسى بيده تحول من عدو قاس إلى إنسان لين، وجعله ابنا له.. عندما عاد موسى وقام بثورته على فرعون منّ عليه بأنه رباه وليدا فـ{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}.. فإذن، إن معنى ذلك أن القلب بيد الله عز وجل، (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يصرفها كيف يشاء).
وبالتالي، فإنه عندما يذهب الإنسان للأسباب الظاهرية، عليه أن يذهب إلى أن هذا السبب بيد الله -عز وجل- ولو شاء لأزال سببيته.. ولهذا عندما تقضى حاجة المؤمن كعملية موفقة على يد جراح ماهر، فإن أول خطوة عليه القيام بها، هي أن يشكر الله -عز وجل- على هذه النعمة، فيقول: يا رب لك الحمد، ولك الشكر، أن سخرت لي فلانا.. فمن شكر الله على النعم، سيسخر له رب العالمين أسبابا أخرى، من باب: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.
شاه زنان ~
05-07-2010, 10:02 AM
عنوان الزاد : التعامل مع الغير من خلال الصورة الذهنية
إن هناك فكرة مصيرية ومؤثرة في حياتنا، وهي أن تعاملنا مع الغير يكون من خلال الصورة الذهنية للآخرين.. نحن لا نعلم بواطن الأشخاص، ولا نعلم ما في النفوس.. لكل منا ريشة يرسم بها صورة الأشخاص في ذهنه.. هنا تتدخل عوامل الشر، وتأخذ دورا مهما في الرسمة.. يحاول الشيطان أن يوسوس للإنسان، ويلقنه أن هذه الصورة هي الصورة الصحيحة.. مثلا: إنسان يتعامل مع مؤمن تقي ورع، ولكن الشيطان يجسده له على أنه شخص فاسق.. إنسان له زوجة صالحة إجمالا، ولكن في ذهنه أنها سيئة، وهكذا بالعكس.. فإذن، إن كلمة يوسوس فعل مضارع؛ تعني أن هذه العملية مستمرة.
من موجبات رسم الصورة القبيحة:
- سوء الظن: كأن يرى الإنسان من أحدهم فعلا؛ يقبل التفسير الصالح، ويقبل التفسير الطالح.. مثلا: يرى مؤمنا مع امرأة، ولا يعلم: هل هذه أجنبية، أم زوجة لهذا الشخص!.. إذن هناك احتمالان: احتمال أنه عقد عليها، واحتمال أنها علاقة غير شرعية.. فلماذا يرجح جانب السوء على جانب الخير؟!..
-الاستماع إلى شياطين الإنس: هناك قوم لا يريدون إلا الشر للآخرين، وإذا رأوا حسنة حسدوا صاحبها؛ فهؤلاء أيضا لهم دور الوسوسة.. ولهذا في سورة الناس رب العالمين يقول: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.. هؤلاء دورهم دور الشياطين تماما في أنهم يوسوسون في الصدور.
كيف نبطل هذا الكيد؟..
أولا: الاستعانة بالله عز وجل.. قبل أن تفكر في شخص، وقبل أن تفكر في أمر، وقبل أن تفكر في قرار؛ قل: يا رب!.. سددني، خذ بيدي، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا!.. وخاصة في القرارات المصيرية، إذا أردت أن تقوم بعمل هام جدا، صلّ ركعتين، وقل: يا رب خر لي، واختر لي في عملي هذا!.. وصورة الاستخارة هذه، هي التي يتفق عليها جميع المسلمين، حيث أن هناك استخارة بالمصحف، واستخارة بالسبحة، وهناك استخارة بمعنى أن يلقي في القلب وفي الروع ما فيه الصلاح.
ثانيا: الحمل على الأحسن.. وكذلك من موجبات كيد الشياطين، والنفس الأمارة بالسوء، ومن يوسوس من الناس: هناك قاعدة إسلامية تقول: (إحمل فعل أخيك على أحسنه)، وتقول: (إحمل فعل أخيك على سبعين محملا).. أي حاول أن تبرر لأخيك ما يقوم به، حتى أنهم قالوا: لو شممت رائحة الخمر من فم أخيك، قل: لعله تمضمض به ولم يشربه.. إلى هذه الدرجة، يريد الإسلام منا أن نعيش حالة الحصانة في أنفسنا.
إن من لم يحمل فعل أخيه على الأحسن، قد يقع في يوم من الأيام في ورطة وفي هتك مؤمن، فإذا تورط في هذه العملية، كأنه هدم الكعبة.. لأن المؤمن أشرف من الكعبة ورد عن الإمام الصادق (ع): (المؤمن أشرف من الكعبة)، وقد ورد أيضا: (المؤمن بنيان الله في الأرض)، فالذي يهدم هذا البنيان بكلمة، كأنه أعان على هدم الكعبة.
شاه زنان ~
05-07-2010, 10:03 AM
عنوان الزاد : المنامات
إن من الأمور التي تواجهنا، مسألة المنامات.. وبعض هذه المنامات تغير طبيعة الإنسان، فتورث له حزنا بلا سبب، أو سرورا بلا سبب.. فما هو الموقف الشرعي تجاه ذلك؟..
إن المنامات موزعة بين العناصر التالية:
- إما منام حق.. وهذا المنام لا يتوقف على كون الرائي مؤمنا، ففي سورة يوسف هناك منامات صحيحة مفسرة؛ منها منام يوسف، ومنها منام فرعون الذي رأى البقرات.. إذن هناك منامات تفسر.. والمنام من آيات الله عزوجل، فالإنسان عندما ينام، تصعد روحه.. وفي هذه الحالة من الصعود، يرى بعض الصور الخاصة.
- وإما أضغاث أحلام.. هناك منامات لا يمكن أن تفسر بشيء، ليس لها قيمة.. عن ابن عباس قال: إن الرؤيا منها حق، ومنها أضغاث أحلام؛ يعني بها الكاذبة.. والأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا.
- وإما منامات شيطانية.. إن الشيطان يوسوس للإنسان في اليقظة وفي المنام.. فالشيطان يصور للإنسان في منامه ما يفزعه؛ لأن الشيطان يحب إحزان المؤمنين كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
وعليه، ماذا نعمل تجاه ظاهرة المنامات؟..
ما دام الأمر لا يورث القطع واليقين، لا بد من عدم الاعتناء بهذه الظاهرة.. إن وجدنا مفسرا ومعبرا صادقا، يمكن الرجوع إليه من باب الرجوع إلى أهل الفكر في كل حقل.. والذين يفسرون الأحلام، هم طبقة نادرة، رب العالمين منّ على يوسف (ع) بتأويل الأحاديث {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}.. فهذا علم إلهي لدني، والذي ليس له طريق إلى هذا العلم اللدني، ليس له الحق أن يتخرص في هذا المجال.
ما الذي يجب القيام به عند رؤية المنام؟..
إذا رأى الإنسان مناما مزعجا أو مفرحا، ولم يجد من يعبر له هذا المنام.. -وبالمناسبة: إن الرجوع إلى بعض الكتب في هذا المجال خاطئ؛ لأنه لا يورث اليقين- فإن ذكر هذا المنام إلى قريب، قد يورثه الحزن.. وهذا تصرف غير صحيح، أن نورث مؤمنا حزنا دون سبب وجيه.. لذلك علينا القيام بما يلي:
الخطوة الأولى: الكتمان.. من كتم منامه وأسره، كفاه الله شره.
الخطوة الثانية: دفع صدقة.. إن على الإنسان أن يدفع هذه الصدقة بنية دفع البلاء، إن كان المنام منذرا بشر.. وبنية جلب النعمة، إن كان مبشرا.. حيث أن بعض الهبات الإلهية معلقة على الصدقات.. فرب العالمين أمضى هذه الهبة، بشرط أن تدفع صدقة.. فتكون هذه الصدقة إما دفعا للبلاء، أو جلبا للنعماء.
إن مضمون المنام، إن كان فيه قول من إمام أو مرجع لفت انتباهك إلى تقصير أو إلى خطأ ترتكبه في حياتك.. فإن القاعدة العلمية تقول: انظر إلى نفسك، إن كنت مقصرا وكان هذا التحذير في محله؛ عليك أن تتفادى هذا الخطأ.. أما إذا كان لا واقع له، فلا ينبغي التأثر بهذا المنام.
الخلاصة: إن مختصر الكلام في موضوع المنام، هو: ما دام هناك احتمال أن يكون أضغاث أحلام، وهذا الاحتمال وارد؛ فإن على الإنسان أن لا يبني حزنه وسروره على هذه المسألة.
شاه زنان ~
05-07-2010, 10:05 AM
عنوان الزاد : طائر النفس
إن هناك عنوانا يتردد في الكتب الأخلاقية، وهو: كيف يتعامل المؤمن مع مسألة الخواطر، أو ما يسمى بـ(طائر النفس)؟..
إن الإنسان من الممكن أن يضبط سلوكه وجوارحه؛ لأن الأعضاء تأتمر بأوامر الإنسان الإرادية.. ولكن المشكلة في هذا البعد اللاإرادي، لأن الإنسان الذي يفكر تفكيرا سودويا، أو شهويا، أو غضبيا؛ تنعكس آثار هذه الأفكار على بدنه وكأنه واقعا.. فإذن، إن المسألة مهمة من ناحيتين لأنها:
أولا: غير إرادية.. والتعبير عن الخواطر بطائر النفس، تعبير جيد؛ لأن الإنسان كلما أراد أن يضبط هذه الخواطر لا يستطيع، مثل الإنسان الذي يملك طائرا، وهذا الطائر تحت يده، ويتصرف به كيف يشاء.. ولكن بمجرد أن يطير ويحلق في السماء؛ فإن صاحبه يفقد السيطرة عليه.. وكذلك فإن مسألة ضبط الخواطر صعبة جدا، ولكن ليست مستحيلة؛ لأنه يوجد هناك أناس يسيطرون على خيالهم.
ثانيا: تنعكس على سلوك الإنسان.. إن هذه الخواطر، تنعكس على وضع الإنسان، وإن كانت في الخيال.
إن الإنسان بإمكانه أن يتخلص من هذه الخواطر، أو يضبطها من خلال اتباع بعض الخطوات، ومنها:
أولا: لا يوسع من دائرة خياله.. إن الإنسان الذي يسمع كثيرا، ويتكلم كثيرا، وينظر كثيرا؛ فإن جهازه الباطني جهاز مشوش.. والعلماء يشبهون الذهن البشري بحوض الماء: تارة لا ترسبات في هذا الحوض، وتارة هناك ترسبات ولكنها راكدة في القاع.. والإنسان بعض الأوقات بسوء اختياره، يأخذ عصا ويحرك هذا الحوض.. وبالتالي، فإنه يتسبب في أن يعيش التكدر الباطني.
يقول الإمام علي (ع): (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم)؛ أي أن هذه الأذن لا يدخل فيها إلا ما كان نافعا، وكذلك بالنسبة إلى النظر.. ومن هنا هذا المعنى: إذا أردت أن تقيّم إنسانا تقييما أوليا، أنظر إلى مشيه!.. إن كان يديم النظر إلى الأرض، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، وكذلك الذي لا يتكلم كثيرا؛ فإنه يرجى منه الخير وقد ورد: (وإذا رأيتم الرجل صموتاً وقوراً، فاقتربوا منه؛ فإنه يلقي الحكمة).
فإذن، إن الخطوة الأولى، هي عدم إعطاء المجال لطائر النفس أن ينتشر، وبعبارة أخرى: إذا أردت أن يكون الطائر معك، فلا تنثر أمامه الحبوب والبذور؛ لأنك عندما تنثر الحبوب في أرض واسعة، فإنه من الطبيعي أن يطير ليقتات من تلك الحبوب.
ثانيا: التدرج في المحاولة.. إن الإنسان لا يستطيع ضبط خواطره في كل ساعات نهاره وليله، لأن السيطرة على الخواطر تحتاج إلى مجاهدة كبيرة.. لذا فلنبدأ بالتدريج لمدة دقائق، فنحاول ذلك أولا في الصلاة؛ لأن الصلاة دقائق.. الذي يريد أن يضبط خواطره، فليمتحن نفسه في صلاته.. وبالتالي، فإنه يضرب هدفين بسهم واحد: الهدف الأول: أنه أوجب له الإقبال في الصلاة، والهدف الثاني: أنه دخل دورة تدريبية في ضبط فكره في الصلاة.. إن نجح في ذلك، يعديه إلى ما قبل الصلاة من الأذان والإقامة، وإن نجح في ذلك أيضا يعديه إلى المقدمات عند الوضوء، ثم يعديه إلى ما بعد الصلاة إلى التعقيبات وغيرها.. وإذا به يعيش أجواء مركزة لمدة ساعة، من قبل الصلاة وأثناء الصلاة وبعدها.. إن الإنسان الذي يعيش التركيز، هو على طريق الفوز في هذا المجال.
شاه زنان ~
05-07-2010, 10:06 AM
عنوان الزاد : إدمان السجود
إن هناك حركة من المناسب أن يتنبه لها المؤمن، سواء كان في المسجد أو كان في المنزل.. فمن يقدم على هذه الخطوة، يصبح مدمنا عليها، مثلما يدمن الإنسان الذي يتناول تلك الحشيشة التي تنبت في الأرض، وتفرز مادة حمضية.. فإن تناولها لمرة واحدة، لا يستطيع تركها.. فهل رب العالمين الذي جعل خاصية الإدمان في حشيشة صغيرة، لا يمكن أن يجعل الإدمان الإيجابي: أي الإدمان الروحي، والإدمان التكاملي، في حركة من الحركات؟..
إن هذه الحركة هي التي كانت مصدر أنس لأئمة الهدى (ع) وهم في سجون الظالمين.. فالإمام موسى الكاظم (ع) شكر الله -عز وجل- على نعمة السجن، لأنه أصبح في خلوة.. وذلك لأنه إمام طرح نفسه لقيادة الأمة وهدايتها، ولكن الناس أعرضوا عنه، وجاء الحاكم الظالم وأودعه السجن؛ فسقط التكليف الاجتماعي عنه، وتفرغ لعبادة الله عز وجل.
إن السجدة بالنسبة للأولياء والصالحين، ليست مجرد دقائق وسويعات، بل لعلهم كانوا يمضون بعض لياليهم في السجود.. حيث أن من أفضل موجبات الاطمئنان، هو الذكر في حال السجود.. وهو مقتضى قول النبي (ص): (أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد).. فالسجود هو أشرف حركة بدنية، وذلك لأسباب منها:
أولا: لأن الإنسان يكون منبطحا على الأرض.. فالواقف شامخ بأنفه، والراكع نصف التكبر خلق منه.. أما عندما يسجد فإنه يتكور، ولعل أصغر حجم لبني آدم يكون أثناء السجود.. قال الباقر (ع): (كان رسول الله (ص) عند عائشة ذات ليلة فقام يتنفّل، فاستيقظت عائشة فضربت بيدها فلم تجده.. فظنت أنه قد قام إلى جاريتها، فقامت تطوف عليه فوطئت على عنقه وهو ساجدٌ باكٍ يقول: "سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء إليك بالنعم، وأعترف لك بالذنب العظيم، عملت سوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم إلا أنت، أعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ برحمتك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا أبلغ مدحك والثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أستغفرك وأتوب إليك".. فلما انصرف قال: يا عائشة!.. لقد أوجعت عنقي، أي شيء خشيت؟.. أن أقوم إلى جاريتكِ)؟!..
ثانيا: إن رأس الإنسان عادة ما يرمز إلى: العظمة، والتكبر، والكبرياء، والعلو، وهو في البدن يمثل القيادة.. فيلاحظ أن هذا الرأس في السجود، يتطأطأ أمام رب العالمين سجوداً.. وكذلك فإن أشرف بقعة في الرأس -وهو الموضع الذي يحاذي المخ، وهو مكان التفكير- ألا وهي الجبهة -وهذه الجبهة المحاذية لأشرف بقعة في الجسم على الإطلاق، وهو المخ المفكر- يلاحظ بأنها تلتصق بأرخص بقعة في الوجود، ألا وهو التراب.. يجعل الرأس وهو أشرف بقعة في الجسم، والجبين وهو أشرف بقعة في الرأس، يضع هذه القطعة على أرخص بقعة في الأرض.
فإذن، إن الحركة هي بنفسها تواضعية.. بعض الناس يصلي صلاة الليل، وعندما ينتهي يسجد وينام في سجوده، فيكون جسمه في الأرض، وروحه في السماء.. هذا العبد يباهي الله -تعالى- به الملائكة، لأنه لم يلزمه بشيء، بل هو ألزم نفسه.. عن رسول الله (ص): (يا أبا ذر!.. إنّ ربك -عزَّ وجلَّ- يباهي الملائكة بثلاثة نفر ـ إلى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورجل قام من الليل فصلّى وحده، فسجد ونام وهو ساجد، فيقول الله تعالى: اُنظروا إلى عبدي!.. روحه عندي وجسده في طاعتي).
إن تذوق السجدة من ألذ لذائذ العيش عند أهلها.. وعليه، فإن السجود عملية مباركة.. ولكن ماذا نقول في السجود؟..
إن أفضل ذكر هو الذكر اليونسي، الذي لم يفارق الأولياء والصالحين طوال التاريخ: {لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.. هذا الذكر عجيب، جامع لمعانٍ عظيمة، منها:
أولا: {لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ}، هو سيد الأذكار.. لم يقل: (لا إله إلا الله)؛ لأن الإنسان عندما يكون قريبا من المخاطب، يخاطبه مباشرة، يقول: يا رب، أنا أخاطبك أنت مباشرة.
ثانيا: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}؛ تنزيه.. أي أن ما حصل، لم يكن جزافا!.. بل أنا الذي ظلمت نفسي، فأوقعت نفسي ببطن الحوت.. وأنا الذي ظلمت نفسي، فأوقعت نفسي في الكآبة المزمنة.. وأنا الذي ظلمت نفسي، فكتبت عاقبتي.. وعليه، فإن هذا الذكر فيه اعتراف جميل!..
إن القرآن الكريم لم يذكر أن يونس (ع) قال هذا الذكر مائة مرة، لعله ذكره مرة واحدة، ولكن بحالة يونسية.. فهنيئا لمن ذكر الذكر اليونسي بحالة يونسية، ولو مرة واحدة في عمره؛ عندها يرى الأعاجيب!..
شاه زنان ~
05-07-2010, 10:10 AM
عنوان الزاد : الذكر الدائم
إن من صفات المؤمن، كما نعرف من دعاء كميل، أنه يطلب من الله -عز وجل- أن يكون لسانه لهجا بذكر الله عز وجل.. (واجعل لساني بذكرك لهجا، وقلبي بحبك متيما).. فطبيعة بني آدم تغلب عليه الغفلة، ولعل كلمة "إنسان" أطلقت عليه لغلبة النسيان.
كيف يذكر الإنسان ربه؟..
هناك عدة عوامل، تجعل الإنسان في ذكر دائم:
أولا: المصيبة والبلاء.. إن الإنسان عندما يقع في مصيبة، يخرج من جو الغفلة.. ولهذا فإن إيمان السفينة إيمان معروف، فالمؤمن وغير المؤمن عندما يكون الطوفان، يذكر الله عز وجل، يقول تعالى في كتابه الكريم: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}.. فإذن، إن المصيبة تذكّر، ولكن مادامت قائمة.. ولهذا فإن المسجون يكون في محرابه وعلى سجادته يصلي، فإذا أطلق سراحه ينسى كل شيء.
ثانيا: النعمة.. إن النعمة هي أيضا تذكر، حيث يكون الإنسان في غفلة، فيأتيه خبر مفرح مثلا: جاءه صبي، أو مال، أو فرج.. فيذكر الله -عز وجل- وهذا أمر جيد!.. ورد في الرواية: (كنت مع الصادق (ع) بالمدينة وهو راكب حماره، فنزل وقد كنا صرنا إلى السوق أو قريباً من السوق، فنزل وسجد وأطال السجود وأنا أنتظره، ثم رفع رأسه.. قلت: جعلت فداك!.. رأيتك نزلت فسجدت!.. قال: إني ذكرت نعمة الله عليّ.. قلت: قرب السوق، والناس يجيئون ويذهبون؟.. قال: إنه لم يرني أحد).
ثالثا: الاستفتاح بالتسمية.. إن الإنسان ليس دائما في مصيبة، وليس دائما في نعمة.. لذا علينا أن نجعل الأعمال لله -عز وجل- دائما، مثلا: عندما يريد أن يذهب الرجل إلى المنزل، فإن أول خطوة يقوم بها، هي ركوب السيارة.. فبإمكانه أن يقرأ هذه الآية: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}.. هذه الآية البعض يقرأها في الطائرة، ولكن أيضا يمكن أن يقرأ هذا الدعاء عند الركوب في السيارة.. وعندما يدخل المنزل، فليقل: بسم الله أدخل هذا البيت.. وهناك دعاء عند الخروج من المنزل: ورد أن الإنسان إذا خرج من منزله، قال حين يريد أن يخرج: "الله أكبر، الله أكبر ثلاثا" بالله أخرج، وبالله أدخل، وعلى الله أتوكل" ثلاث مرات" اللهم افتح لي في وجهي هذا بخير، واختم لي بخير، وقني شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم" لم يزل في ضمان الله -عز وجل- حتى يرده الله إلى المكان الذي كان فيه.. وعندما يريد أن يتناول الطعام، يبدأ بالبسملة، وينتهي بالحمد.. وعندما يتوضأ كذلك يبدأ بالبسملة.. وقد ورد عن النبي (ص)، عن الله عز وجل: (كل أمرٍ ذي بال، لم يُذكر فيه بسم الله؛ فهو أبتر).. فإذن، إن كل الأمور الهامة، هي من موجبات ذكر الله كثيرا.
إن من آثار ذكر الله عز وجل، غير إخراج العمل عن كونه أبتر، أنه يحمي الإنسان من الوقوع في المعاصي.. مثلا: عندما يركب الإنسان الطائرة، ويقول: بسم الله أفتتح سفري هذا، سوف لن يعصي الله.. فالذي يلتفت إلى مضمون التسمية، قهريا لا شعوريا، لا يمكن أن يكون هذا العمل الذي باركه ببسم الله، مقدمة لحرام يرتكبه.
ما معنى بسم الله؟.. في اللغة العربية: كل جار ومجرور، لا بد أن يكون متعلقا بشيء.. مثلا: إذا قلنا: في الدار.. فإن هذه الجملة ناقصة، ولا بد أن تقدر تقديرا بـ: مررت أو دخلت.. وهنا {بسم الله} جار ومجرور، و{الرحمن الرحيم} صفة للفظ الجلالة.. فالجملة ناقصة جدا، ولابد أن نقدر، والتقدير المعروف: أني أفتتح عملي هذا ببسم الله الرحمن الرحيم.
شاه زنان ~
05-07-2010, 10:11 AM
عنوان الزاد : تشتت الفكر
إن المصلين يشتكون من تشتت الفكر في الصلاة، ولعل الخواص من الناس، مبتلون بهذه المسألة.. وهناك شيء عجيب!.. أن الإنسان قادر على ضبط فكره في غير الصلاة، كأن يقرأ دعاء طويلا وهو مقبل، فإذا وقف للصلاة بين يدي الله -عز وجل- يذهب فكره يمينا وشمالا.. فما هو تفسير هذه الظاهرة؟.. والأعجب من ذلك ليالي القدر، حيث أن المؤمنين من أذان المغرب إلى طلوع الفجر، يتقلبون من إحياء إلى إحياء، ولكن مجرد أن يدخل موعد صلاة الفجر، ويقف الإنسان ليصلي ركعتين، يصعب عليه الالتفات ولا يضبطهما.
أسباب تشتت الفكر:
أولا: إن الله -عز وجل- لا يُدخل في دائرته الخاصة، إلا من ارتضاه.. فالصلاة لقاء مع رب العالمين، وليلة القدر اجتماع في ساحة السلطان.. في الليالي العبادية الإنسان يدخل في قاعة السلطان العامة، أما الصلاة فهي معراج المؤمن؛ أي اللقاء الخاص.. ولهذا القرآن الكريم يقول: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}، ومنها صلاة الفجر التي هي ركعتان، ولكنها كبيرة على النفس؛ إلا على الخاشعين.. وأما غير الخاشع -وهو أغلبنا- فهي كبيرة عليه.. كأن الله -عز وجل- لا يسمح لكل أحد أن يقبل في صلاته إقبالا خاصا.
ثانيا: إن الشياطين تكثف جهودها على بني آدم حسب حجم العمل؛ كلما كان حجم العمل كبيرا ويعتد به، كلما كانت الجهود كبيرة.. مثلا: إنسان يريد أن يقرأ القرآن الكريم، يأتيه الأمر: استعذ {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} هناك أمر بالاستعاذة.. والصلاة فيها قرآن، وفيها ركوع، وفيها سجود، وفيها قنوت، وفيها دعاء.. فالصلاة معجون متكامل، والذي نفهمه أن المصلي لا يصل إلى الصلاة الخاشعة، إلا بشق الأنفس.. عن النبي الأكرم (ص): (فإذا أحرم العبد بالصلاة، جاءه الشيطان فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا!.. حتى يضل الرجل، فلا يدري كم صلى)!..
فإذن، إن هناك جوا شيطانيا يحيط بالقلب.. ولهذا أمرنا بالاستعاذة قبل قراءة الحمد في الصلاة، والمؤمن قبل أن يكبر يستغيث بالله أن يعينه.. ومن أفضل ما يقرأ قبل الصلاة الواجبة: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ}.. وكذلك: (اللهم!.. اجعلني من الذاكرين و لا تجعلني من الغافلين).. فالاستنجاد بالله وأوليائه قبل الصلاة، من موجبات الإقبال فيها.
شاه زنان ~
05-07-2010, 10:12 AM
عنوان الزاد : الدعاء بين الحالتين الإبراهيمية أو الموسوية
نرى في بعض روايات الأنبياء والأئمة (ع)، أن الإنسان تارة يوكل أمره إلى الله عز وجل، ولا يطلب منه شيئا وشعاره دائما وأبدا: (علمك بحالي يغني عن سؤالي).. وهذه حالة إبراهيمية، عندما بدأ قوم إبراهيم (ع) الاستعداد لإحراقه، وحفروا حفرة عظيمة ملئوها بالحطب والخشب والأشجار، وأشعلوا فيها النار.. وأحضروا المنجنيق وهو آلة جبارة، ليقذفوا إبراهيم فيها فيسقط في حفرة النار.. ووضعوا إبراهيم بعد أن قيدوا يديه وقدميه في المنجنيق.. واشتعلت النار في الحفرة، وتصاعد اللهب إلى السماء.. وكان الناس يقفون بعيدا عن الحفرة من فرط الحرارة اللاهبة.. وأصدر كبير الكهنة أمره بإطلاق إبراهيم في النار.. جاء جبريل -عليه السلام- ووقف عند رأس إبراهيم، وسأله: يا إبراهيم.. ألك حاجة؟.. قال إبراهيم: أما إليك فلا.
هذه حالة إبراهيمية: وهي أن الإنسان لا يطلب من الله شيئا، ولعل ما يؤيد هذا المعنى الإبراهيمي قوله تعالى: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.. مثال ذلك في عالم المحاماة، عندما يفوض الإنسان أمره إلى المحامي، ثم يتصل به ليعلمه كيف يعمل.. هنا تقع المشكلة، فيقول له: أنت وكلتني وفوضتني، فلماذا تتدخل في شؤوني؟!..
هذه حالة، وفي المقابل هناك حالة معاكسة: نرى الأئمة (ع) في جزئيات الأمور، يطلبون من الله -عز وجل- المدد والقوة، حتى أن المعصوم (ع) يقول: (إن لم تكن ساخطاً علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي)؛ أي يا رب أريد منك العافية.. ونحن نقول في السجود: (اللهم!.. إنا نسألك العفو والعافية؛ في الدين والدنيا والآخرة).
فإذن، إن هناك روايتين: تلك رواية إبراهيمية، وهناك رواية موسوية كليمية، ورد في حدث قدسي: (يا موسى!.. سلني كلّ ما تحتاج إليه، حتّى علف شاتك، وملح عجينك).. أي الحالتين هي الأقرب: حالة إبراهيم (ع) عندما ألقي في النار وشعاره (أفوض أمري إلى الله)، أو الحالة الموسوية.. وكلاهما من أنبياء أولي العزم، فبأي السنتين نقتدي؟..
إن هناك أجوبة مختلفة على هذا التساؤل، ومنها:
أولا: الاختلاف في الحالات: لا موسى (ع) كان هكذا دائما، ولا إبراهيم (ع) كان دائما هكذا؛ أي لا يطلب من الله شيئا.. والدليل على ذلك عندما أسكن ذريته في واد غير ذي زرع، لم يفوض أمره لله فحسب!.. بل قال: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.. إذن، تمسك بعالم الأسباب.. فالحالات مختلفة: إبراهيم وهو يلقى في النار أحس بالانقطاع التام، ورأى أن الفرج لا يكون إلا من عند رب العالمين.. وأما في مكة عندما ترك هاجر وإسماعيل، كان يعيش حالة أخرى.. فالمؤمن له حالات، ولهذا ينوع: تارة يطلب تفاصيل الأمور، وتارة يبلغ حالة من حالات التفويض، كأنه يستحي أن يطلب من الله عز وجل.. عندما يذهب الإنسان إلى المدينة أو إلى طوس، وله حوائج مادية كبيرة، عندما يقف أمام الضريح، وتجري دمعته ويتفاعل بالدعاء؛ ينسى حاجته ويقول: وأنا بهذا الحال أطلب من الإمام أشياء مادية؟.. هذا أمر مخجل!..
ثانيا: الجمع بين الحالتين: لا مانع من الجمع بينهما؛ أي أن يقول الإنسان: أفوّض أمري إليك، ولكن ميلي الباطني، أن تصلح لي زوجتي.. أنا رغبتي أن تجمع لي زوجتي وولدي، ولكن إذا أنت لا تريد ذلك، الأمر إليك في النهاية.. كأن يقول الموكل للمحامي: أنا أقترح عليك كذا وكذا، ولكن الأمر إليك في النهاية.. فإذن، إن المؤمن وهو يطلب جزئيات الأمور يختمها بقوله: (يا رب!.. أفوض الأمر إليك).. (اللهم!.. فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك).. لا مانع أن نجمع بين الحالة الإبراهيمية والحالة الموسوية
شاه زنان ~
05-10-2010, 03:36 AM
عنوان الزاد : تعويض التقصير
إن الإنسان -بعض الأوقات- يخجل من صلاته، إلى درجة أنه يقف بين يدي الله مستغفرا من صلاته.. مع العلم أن بعض الصلوات ليس فقط لا ترفع درجة، وإنما قد توجب له إيلاما، كما ورد في الروايات: (بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ ، فَقَامَ ـ الرجلُ ـ يُصَلِّي، فَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ.. فَقَالَ (صلى الله عليه وآله): "نَقَرَ كَنَقْرِ الْغُرَابِ، لَئِنْ مَاتَ هَذَا وَهَكَذَا صَلَاتُهُ، لَيَمُوتَنَّ عَلَى غَيْرِ دِينِي).. هو كان يصلي في مسجد النبي، ولكن كيفية صلاته توجب التشبيه بنقر الغراب.. وفي بعض الروايات: (إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها، وإن منها لما يلف كما يلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجه صاحبها)؛ أي أن صلاته ترد إليه.. وهناك رواية أخرى تقول: (أما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة، أن يحول الله وجهه وجه حمار)!..
ما العمل، فنحن صلاتنا -إلا من عصمه الله- فيها كل شيء، إلا ذكر الله؟..
إن هناك حلين كي يعوض هذا التقصير:
أولا: التعقيب.. لعل هذا التعقيب اليومي من أجمل صور التعقيب: (إلهي!.. هذه صلاتي صليتها، لا لحاجة منك إليها، ولا رغبة منك فيها؛ إلا تعظيما وطاعة وإجابة لك إلى ما أمرتني.. إلهي!.. إن كان فيها خلل، أو نقص من ركوعها أو سجودها، فلا تؤاخذني، وتفضل على بالقبول والغفران، برحمتك يا أرحم الراحمين)؛ أي أنا يا رب لا أطمع في القبول، ولكن لا تؤدبني بصلاتي هذه.
ثانيا: السجود.. نعم الفرصة كي يعوض المصلي الركعات الثلاث أو الأربع، تكون في اللحظات الأخيرة من مفارقة الصلاة؛ أي في السجدة الأخيرة.. وبالتالي، تتم المصالحة عند المغارة، فإذا بلحظات من المصالحة أذهبت الضغائن.. إذن، اغتنموا السجدة الأخيرة في الصلاة الواجبة.. فإذا أدركت الإنسان الرقة، فليطيل في سجدته الأخيرة أكثر من الركعات الثلاث والأربع.. عندئذ تحقق الغرض، فهو لعدة دقائق في سجدته الأخيرة يناجي ربه مستغفرا.. فلعل الله يقول لملائكته: عبدي هذا، عوض تقصيره في صلاته.. فالإنسان المشرف على النهاية معنوياته عالية.. فليكن السجود بعد الصلاة الواجبة أيضا، سجود اعتذار بين يدي الله.. إذ أنه بالإمكان من خلال هذه السجدة، أن ينفخ الروح والحياة في الصلاة الميتة.
إن صلاة القضاء قد يكون لها دور في تكامل العبد، أكثر من صلاة الأداء.. والصلاة غير الخاشعة، قد يكون لها دور في تقريب العبد إلى ربه، أكثر من الصلاة الخاشعة.. والسبب هو حالة الاستحياء والخجل، وعدم العجب الذي ينتاب العبد.. فيسدده رب العالمين ببركة حالته هذه، ولهذا جاء في الحديث: (أنين المذنبين أحب إلي من تسبيح المسبحين).
شاه زنان ~
05-10-2010, 03:37 AM
عنوان الزاد : العوامل الغيبيه
إننا كثيرا ما نسمع هذه الأيام، أن البعض يشتكي من تأثير عوامل غيبية في حياته.. أحيانا الإنسان يعرف سببا واضحا لمشكلة هو يعيشها، كالأمراض البدنية، حيث أن هناك أوجاعا في الجسم، سببها مرض معين، فيبادر إلى علاجه.. ولكن المشكلة عندما لا يجد سببا واضحا لذلك، كأن يرى تعقبا في الأمور بشكل غير طبيعي، ويرى هما وغما ملازما لا سبب له.. وعندما يراجع الأطباء، لا يعرفون سببا لأوجاعه.. هنا البعض يذهب يمينا وشمالا، وهناك توجهان في هذا المجال:
الأول: سوء الظن بالغير.. أول تفسير لهذه الظاهرة، أنهم يتهمون الغير، وهذه مسألة خطيرة.. حتى سوء الظن الباطني يعاتب عليه الإنسان، هو لم يرتكب حراما.. ولكن لا شك أن الإنسان الذي يعيش حالة سوء الظن الباطني، لابد أن يظهر ذلك في فلتات لسانه، ولطالما عاقبنا من لا يستحق العقوبة، على سوء الظن هذا.. وأن تقول: أحتمل أن فلان أو فلانة هو صاحب هذا العمل، هذا العمل بحد نفسه يعد وهنا؛ عرفا وحتى قانونيا.
الثاني: المؤثرات الغيبية.. ورد في الشريعة، أن هناك تأثيرا للحسد والجن على الإنسان.. وهناك سورة في القرآن الكريم نازلة باسم الجن؛ معنى ذلك أن هناك حقيقة في هذا البين.. وقد ورد عن النبي (ص): (العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر).
الجواب على هذا التخوف:
أولا: البحث عن الأسباب المادية: مثلا: هناك امرأة طيبة طيعة، فجأة انقلب مزاجها.. فالحل هو أن نجلس معها، ونسألها بصراحة: هل بدر مني خطأ؟.. نعم، عن طريق المصارحة تكتشف السبب.. كذلك ولد كان مؤدبا، وصار مشاكسا.. أيضا لا بد من فهم بواطنه، ولو بالرجوع إلى الطبيب النفساني، حيث أن هناك بعض الأمراض النفسية، تحتاج إلى تخصص في تشخيص واستخراج دواعي هذا المرض.
ثانيا: التعويذ.. إن الخطوة الثانية، هي ما حثت عليه الشريعة: وهي قراءة المعوذتين، حتى أن بعض المسلمين يقولون أنهما تعويذتان نبويتان، عوذ بهما النبي (ص) الحسنين، لدفع الضرر عنهما.. طبعا هذا الكلام غير صحيح.
وبالتالي، فإن من يخاف ضررا عليه بالمعوذتين صباحا ومساء، وبقصد الالتجاء.. ومن يقرأهما لقلقة، من الطبيعي أن لا يحصل على النتيجة.. {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.. فهل يحق للشيطان أن يوسوس دائما، والله عز وجل ليس له الحق أن يبطل ما يوسوس به الشيطان، وهو أرأف بالناس؟!..
فإذن، إن من يقرأ المعوذتين باعتقاد وبيقين، يحصل على النتيجة المرجوة.. ويضيف أيضا آية الكرسي: من قرأ آية الكرسي خلال أذكار الصباح والمساء، كانت له وقاية من الجن وهمزه ونفخه ونفثه.. ومن قرأ آية الكرسي قبل أن ينام، تكفل الله له بالحفظ والرعاية طيلة ليلته حتى يصبح.. فمن كان تحت حفظ الله، نجا وسلم.
شاه زنان ~
05-10-2010, 03:38 AM
عنوان الزاد : مقدمات الصلاة
نفهم من بعض المستحبات أن الإنسان الذي يريد أن يدخل ببحر الصلاة بقوة وبإقبال، لا بد وأن يعتني بالمقدمات السابقة للصلاة.. فالإنسان الذي يقف للصلاة بدون توجه؛ من الطبيعي أن لا تفتح له الأبواب.. إن لقاء الشخصيات المهمة في العالم هذه الأيام، يحتاج إلى اجتياز عدة مراحل كي يلتقي بتلك الشخصية.. فكيف بلقاء جبار السموات والأرض؟..
إن من تلك المقدمات التي توجب فتح الأبواب:
المقدمة الأولى: الإتيان إلى المساجد قبل الأذان، ولو بفترة قصيرة.. وهذه الحركة هي علامة الشوق.. مثلا: إنسان يدعوك لبيته، فتذهب مبكرا.. فهذا الذهاب المبكر، دليل على أن هناك شوقا في البين.
المقدمة الثانية: الإتيان ببعض المستحبات.. هناك فرق بين الواجب والمستحب: فالإنسان يقوم بالواجب؛ خوفا من غضب الله، أو طمعا في جنته.. ولكن الذي يأتي بالمستحب، لا يأتيه بداعي الخوف.. فالمستحب هو الفعل الذي إذا قام به العبد أثيب، وإذا ما قام به لا يعاقب.. إذن، ليس فيه خوف، نعم فيه طمع.. وعليه، فإن التقرب بالمستحبات، من الممكن أن تكون من هذه الزاوية، أقوى من التقرب بالواجبات.
المقدمة الثالثة: الإتيان بركعتين بعنوان: تحية المسجد.. قد يقول قائل: كيف نحيي المسجد، وهل هو موجود حي؟.. هناك عدة أجوبة، منها:
أولا: إننا نحيّي الملائكة الموكلة في المساجد.. فكما أن للأشجار المثمرة ملائكة، وللأنهار والبحار والمحيطات ملائكة.. فإن بيت الله –عز وجل- أولى بهذه الملائكة.. قال رسول الله (ص): (إذا كان يوم الجمعة، كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الأول فالأول.. فإذا جلس الإمام، طووا الصحف وجاؤوا يستمعون الذكر).
ثانيا: ما المانع أن نحيّي المسجد، قال تعالى في كتابه الكريم: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}.. هنالك معنى من معاني التعقل نحن لا نفقهها.. هناك روح نحن لا نلامس هذه الأرواح: فالكعبة لها روح، ولهذا عندما نقف أمام الكعبة نقول: (الحمدُ لله الذي عظمك وشرفك وكرمك، وجعلك مثابةً للناس وأمناً مباركاً، وهدىً للعالمين).
فإذن، ركعتان قبل الصلاة الواجبة، من الممكن أن تكون من موجبات انفتاح أبواب السماء.
إن هناك فرقا بين المستحب والواجب.. في الواجب: المصلي يراعي مخارج الكلمات؛ لأن هناك فريضة.. ويراعي حركته؛ لئلا تسلب منه الطمأنينة.. في الصلاة الواجبة، تكون عينه على الظاهر، وعينه على الباطن؛ فيتوزع اهتمامه.. أما في المستحب: فهو معفي من هذه الأمور.. ولهذا يجوز الصلاة المستحبة، ولو بدون سورة؛ أي يقرأ الحمد ويركع ويسجد، وإن أخطأ بقراءته لا ضير عليه.. وهناك صلاة الماشي: في الفريضة لا يحق للمصلي أن يحرك بدنه، ولكن في المستحب يمكنه أن يصلي وهو يمشي.. وهنيئا لمن يصلي ويختم القرآن أثناء الطواف حول البيت!..
شاه زنان ~
05-10-2010, 03:39 AM
عنوان الزاد : العدالة الجوانحية
إن المؤمن بين وقت وآخر يتفقد قلبه، حيث أن هناك معاصي تصدر من الجوارح: معاصي النظر، النظر إلى الأجنبية.. ومعاصي السمع، الغيبة.. ومعاصي اللسان، الفحش في القول.. فالمؤمن بعد فترة من المجاهدة، -ولا أعتقد أنها مجاهدة مرهقة جدا- يصل إلى مرحلة العدالة الجوانحية، بحيث يصح الإئتمام خلفه.. ولطالما قلنا لإخواننا المؤمنين: لا تفوتوا على أنفسكم ثواب صلاة الجماعة في المنزل.. حيث هناك الزوجة والأولاد، والبعض له أحفاد يجتمعون عنده في الأسبوع مرة، فلماذا لا يلتفت إلى هذه النقطة؟..
إن ضبط الجوارح ليس بالصعب جدا، ولكن المشكلة الأرقى -ونحن غير مكلفين بها شرعا- هي السيطرة على المعاصي الجوانحية.. فالجوارح تحت السيطرة: لك جفنان، تغمضهما عند النظر إلى أجنبية.. عندك شفتان، تطبقهما عند الغيبة.. لك أذنان، صحيح لا تغلقان؛ ولكن بإمكانك السماع لا الاستماع.. فإذن، البصر واللسان والسمع، بإمكان الإنسان أن يحترز بها عن المحرمات.
ولكن المهم هو معاقبة الجوانح، على تلك الحركات السلبية التي في أعماق القلب.. هذه الحركات غير محرمة، من يقول: بأن الإنسان إذا تخيل الحرام أو الباطل، بأنه يعاقب؟.. ولكن هناك عبارة عن روح الله (ع)، بأنها كالدخان الذي يسود المكان، فيزيل بهاءه.. قال الصادق (ع): (اجتمع الحواريون إلى عيسى (ع) فقالوا له: يا معلّم الخير!.. أرشدنا، فقال لهم: إنّ موسى كليم الله (ع) أمركم أن لا تحلفوا بالله تبارك وتعالى كاذبين، وأنا آمركم أن لا تحلفوا بالله كاذبين ولا صادقين، قالوا: يا روح الله!.. زدنا، فقال: إنّ موسى نبي الله (ع) أمركم أن لاتزنوا، وأنا آمركم أن لا تحدّثوا أنفسكم بالزنا فضلا عن أن تزنوا.. فإنّ مَن حدّث نفسه بالزنا، كان كمَن أوقد في بيت مزوّق، فأفسد التزاويق َالدخانُ وإن لم يحترق البيت).
إن من هذه الأدخنة التي تسود القلب، احتقار الآخرين.. على الإنسان أن لا يحتقر أحدا.. بل كل ما رأى أحدا يقول: هذا خير مني.. قد يقول قائل: هذه مبالغة!.. الأمر ليس فيه مبالغة، عندما أقول: فلان خير مني.. لا باعتبار حاضره، وإنما باعتبار خواتيم عمله.. فلماذا أجعل خاتمتي خيرا من خاتمة فلان، مادامت الخواتيم مبهمة؟!.. من كان يظن أن الحر سيكون من أنصار الإمام الحسين (ع)؟.. ومن كان يظن أن الشمر، وهو من أصحاب أمير المؤمنين (ع)، سيكون في صف قتلة الإمام الحسين (ع)؟..
شاه زنان ~
05-10-2010, 03:40 AM
عنوان الزاد : التعامل مع الدنيا
إن تعامل الناس بالنسبة إلى الدنيا، على نوعين: هناك قسم توطدوا بالدنيا، ورضوا بالمتاع العاجل.. وبتعبير القرآن: {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.. وهناك قوم انقطعوا إلى الآخرة، وأهملوا الدنيا؛ أي لا يشتغلون للدنيا، فهم غير فعالين فيها، ويغلب عليهم الذكر اللفظي مثلا، ولا يبالون لا بمجتمعهم ولا بأسرهم.. وهذه أيضا حالة مرفوضة.
إن الكلمة الفصل في هذا المجال لأمير المؤمنين (ع): (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).. إنه تعبير رائع جدا!.. فالمؤمن يستثمر كل ما لديه من طاقات وقدرات، لتثبيت دعائم الحياة المادية.. والمؤمن من اهتماماته في الدنيا، أن يجمع مالا وفيرا، ليوقف بها أمرا ماديا، يكون له زادا في عرصات القيامة.. (إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له).. من هم أصحاب الصدقات الجارية؟.. هم أصحاب المال؛ فالمؤمن الفقير: رأس ماله الدعاء، والصبر.. أما المؤمن الغني: هو الذي بإمكانه أن يبني ما يكون له صدقة جارية، وأن يتكفل الأيتام.
فإذن، إن الدنيا مزرعة الآخرة.. في عالم الزراعة: كلما اتسعت رقعة المزرعة، كلما زاد المحصول.. وكلما زاد المحصول، زادت الزكاة الواجبة لذلك المال.. وبالتالي، فإن الدنيا إذا أصبحت في يد أمثال سليمان، تصبح نعم العون على الآخرة!..
إن الإمام (ع) يقول: (واعمل لآخرتك، كأنك تموت غداً).. إن المؤمن قد لا يخشع في صلاة الصبح، وقد لا يخشع في صلاة الظهر؛ لأنه يكون في قمة الانشغال اليومي.. أما في خصوص صلاة العشاء، فإن لها حالة خاصة.. وذلك لأن الإنسان عندما يصلي صلاة العشاء، يصلي صلاة المودع، فهي آخر فريضة لهذا اليوم، وبعدها سوف ينام، والله -تعالى- يقول في كتابه الكريم: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}؛ فالموت والنوم أخوان قريبان.. من أين للإنسان الضمان أن الله يرجع له الروح بعد النوم؟.. ولهذا عندما يستيقظ من النوم، يخر ساجدا لله ويقول: (الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني، وإليه النشور).. فالعبارة حقيقية!..
إن بعض الحجاج -مع الأسف- يحجون حجة، هم لا يرضون بها، على أمل الحج السنة المقبلة!.. من قال أنه سيوفق لذلك؟.. لذا عليه أن يحج حجة مودع، وفي ليلة القدر كذلك عليه أن يقوم بأعمال مودع.. ومعنى قول الإمام (ع): (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) بعبارة أخرى: (ليس الزهد ألا تملك شيئًا، ولكن الزهد ألا يملكك شيء).. مثلا: هناك فقير له عصا وله سبحة، ولكن قلبه متعلق بهما؛ فهذا الإنسان عابد للدنيا.. وهناك إنسان آخر عنده مصانع كثيرة، ولكن قلبه غير متعلق بها؛ فهذا الإنسان زاهد بالدنيا.
شاه زنان ~
05-10-2010, 03:41 AM
عنوان الزاد : أبواب الرحمة الإلهية
إن هنالك بعض الأمكنة، وبعض الأزمنة، وبعض الحالات؛ يفتح الله فيها أبواب الرحمة الإلهية.. ومن هذه الأمكنة المساجد، التي هي بيوت الله -عز وجل- في الأرض.. فالمساجد كلها متساوية في الشرف والفضيلة، من مسجد القرية إلى المسجد الحرام.. نعم هناك تفاضل لا شك في ذلك!.. ومن حيث الأزمنة، هناك مثلا: ليلة الجمعة، وليلة النصف من شعبان، وليالي القدر،...الخ.. في هذه الليالي، يهب الله -عز وجل- عباده ما يشاء من الفضل.
أما الحالات التي تتجلى فيها الرحمة الإلهية، فمنها:
- نزول المطر: فالمؤمن بمجرد أن ينزل المطر، يرفع يديه إلى السماء بالدعاء.. وقد وصفه الله تعالى في القرآن الكريم بالماء الطهور: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا}.. حتى أن البعض يشرب ماء المطر بنية الاستشفاء، ويقول: أن هذا قريب عهد بربه، لم يلمس هذا الماء أي إنسان.. روي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «تفتّح أبواب السماء عند نزول الغيث، وعند الزحف، وعند الأَذان، وعند قراءة القرآن، ومع زوال الشمس، وعند طلوع الفجر».
- عند هبوب الرياح: قال تعالى في كتابه الكريم: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}؛ أي نحن الذين جعلنا الرياح تنتقل من مكان إلى مكان.. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «اطلبوا الدعاء في أربع ساعات: عند هبوب الرياح، وزوال الأَفياء، ونزول القطر، وأول قطرة من دم القتيل المؤمن؛ فإنّ أبواب السماء تفتّح عند هذه الأشياء».
- عند الزوال: يقول تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ}؛ أي الظهيرة.. عند صلاة الظهر تفتح أبواب السماء، ولهذا أمرنا بالحفاظ على جميع الصلوات وخاصة صلاة الظهر.. وهناك توصية من بعض العلماء الكبار، أنه من المناسب للمؤمن عند أذان الظهر أن يلزم نفسه -بنحو الاستحباب- بدعاء الفرج: (اللهم!.. كن لوليك الحجة بن الحسن...).. فمن يفعل ذلك يرجى له الخير.
- عند التقاء الصفين.. ومن حالات استجابة الدعاء عند التقاء الصفين؛ أي صفي المسلمين والكفار للقتال، قال أمير المؤمنين (ع): «اغتنموا الدعاء عند خمسة مواطن: عند قراءة القرآن، وعند الأذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصفين للشهادة، وعند دعوة المظلوم؛ فإنّها ليس لها حجاب دون العرش».
- السحر.. إن المطر له موسم، والرياح لها مواسم.. ولكن أبواب السماء تفتح بدءاً من ساعات السحر، حتى طلوع الشمس.. أيضا هذا الوقت من الأوقات التي تنغمر فيه الرحمة الإلهية، خصوصا بالنسبة إلى الرزق.. عن الجواد (ع): (وذكر اللّه بعد طلوع الفجر، أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض).. نحن مشكلتنا أننا جعلنا الأرزاق تساوي المال، والحال أن المال آخر الأرزاق: أول الرزق الإيمان والاطمئنان النفسي، وبعد الإيمان الزوجة الصالحة، وبعد الزوجة الذرية الطيبة.. وبعدها الدابة السريعة، والدار الوسيعة، والمال الوفير؛ وهي في أسفل القائمة.. وذلك لأن رب العالمين يعطي الإنسان الأهم فالأهم!.. فالمؤمن الذي يصبح ويمسي لا يخاف شيئا، ولا يحزن على شيء.. هذا الإنسان قمة في الراحة النفسية.
سر هذه الخصوصية لهذه الحالات:
أولا: إن هذه الحالات تستقطب الرحمة.
ثانيا: إن الله -عز وجل- يريد أن يرحم، ولكن يجعل لرحمته علامة، وليست الحالات هي التي أوجبت الرحمة.. هو أراد أن يرحم في مثل هذه الساعة منذ الأزل، ولكن ليلفت نظرنا قال: إذا نزلت عليكم المطر، وهبت الرياح، و...الخ؛ سأرحمكم.. فاغتنموا الفرصة!..
فإذن، على كل التقديرين، المؤمن صياد الفرص، يغتنم كل الأزمنة وكل الأمكنة وكل الحالات.. ويلجأ إلى الله تعالى؛ كي يفتح له الأبواب المغلقة.
شاه زنان ~
05-10-2010, 03:42 AM
عنوان الزاد : التعقيبات
إن كتاب العروة الوثقى، يعتبر قرآن الفقه في زماننا؛ بمعنى أنه محور في الآراء الفقهية.. والسيد اليزدي صاحب الكتاب، عندما يصل إلى بحر التعقيبات بعد الصلاة يقسمها إلى أقسام: منها التعقيبات المأثورة، ومنها التلاوة، وكذلك البكاء من خشية الله، كأن يصلي الإنسان صلاة غير خاشعة، ويندم.. فيأخذ في البكاء وهو متوجه إلى القبلة، مما هو فيه من قسوة القلب.
ومن التعقيبات أيضا، السكوت في المصلى ساعة من الزمن: لا يصلي نافلة، ولا يقرأ دعاء، ولا يتلو قرآنا.. إنما يفكر في عظمة الله، وفي ضعف الإنسان، وفي قلة حيلته.. فهذه الحالة تعتبر من ضمن التعقيبات، يا له من فوز!.. والمصلي يكتب مصليا مادام معقبا، ورد في رواية: (من عقب في صلاته، فهو في صلاة)، وفي خبر: (التعقيب أبلغ في طلب الرزق، من الضرب في البلاد).. ومن التعقيب التفكر، فيا يا لها من صلاة طويلة، ولكن من دون معاناة!..
ولكنه يذكر شرطا، وهو أن يكون في هيئة المصلي: (ويعتبر أن يكون متصلا بالفراغ منها، غير مشتغل بفعل آخر ينافي صدقه الذي يختلف بحسب المقامات من السفر والحضر والاضطرار والاختيار.. ففي السفر يمكن صدقه حال الركوب أو المشي أيضا كحال الاضطرار، والمدار على بقاء الصدق والهيئة في نظر المتشرعة، والقدر المتيقن في الحضر الجلوس مشتغلا بما ذكر من الدعاء ونحوه، والظاهر عدم صدقه على الجلوس بلا دعاء أو الدعاء بلا جلوس إلا في مثل ما مر، والأولى فيه الاستقبال والطهارة والكون في المصلى).
لهذا فإنه من المناسب، أن يبني الإنسان غرفة للصلاة في منزله، من أجل لقاء رب العالمين.. كما يبني غرفة للطعام، وغرفة للنوم، وغرفة للاستقبال، وغرفة للخدم.
امتياز مكان الصلاة:
- البركة: من امتياز هذا المكان، أن فيه بركة؛ فهو كلما دخل هذا المكان تذكر بعض الليالي الخاشعة.. والبعض تتقاطر دموعه على السجدة، فيتذكر أنه قبل فترة كان خاشعا، أي أنه هو الذي تغير؛ وإلا رب العالمين لم يتغير لطفه.
- جلب شفقة الملائكة: حيث أنه يستحب أن ينقل الإنسان إلى مصلاه ساعة الاحتضار، وكأنه يقول: أي يا رب، عمر مضى علي بهفواته وسلبياته، ولكن اشهد عليّ بأنني سأنتقل إليك وأنا في مصلاي، في المكان الذي كنت أعبدك فيه.. بعض العلماء كان يبكي في صلاة الليل، وفي مصائب أهل (ع) ويمسح دموعه بقطعة قماش، فأوصى أن تدفن معه.. ألا يحتمل أن ترق قلوب الملائكة لهذا الميت عندما ينظرون إلى هذه الآثار، ويطلبون من الله -عز وجل- أن يحاسبه حسابا يسيرا؟!..
شاه زنان ~
05-10-2010, 03:43 AM
عنوان الزاد : تسبيحات الزهراء
إن تسبيح الزهراء (ع) من أفضل تعقيبات الصلاة، وهي هدية النبي (ص) إلى ابنته فاطمة (ع)، وهديتها إلى محبيها إلى يوم القيامة.. فلولا مراجعتها للنبي (ص) وحاجتها للخادمة، وعدم تلبية طلبها، وتعويضها بهذه الهدية؛ لما استمتعنا بهذه التسبيحات.. قال الإمام الصادق (ع): (مَن سبّح تسبيح فاطمة الزهراء -عليها السلام- قبل أن يُثني رجليه من صلاة الفريضة؛ غفر الله له.. وليبدأ يالتكبير).. ويذكر السيد اليزدي صاحب كتاب العروة الوثقى، أنه من الممكن أن يقرأ الإنسان تسبيحات الزهراء (ع) في كل وقت؛ فالأمر ليس محصورا على الصلوات الواجبة أو المستحبة.. وروي عن الإمام الباقر (ع): (ما عُبد اللَّه بشيء من التحميد أفضل من تسبيح فاطمة، ولو كان شيء أفضل منه لنحلهُ رسول اللَّه (ص) فاطمة (ع))..
ثواب تسبيح الزهراء (ع):
1- الذكر الكثير.. روي عن الصادق (ع) في فضيلة تسبيح فاطمة -عليها السلام- قبل النوم: (من بات على تسبيح فاطمة -عليها السلام- كان من الذاكرين للَّه كثيراً والذاكرات).
2- سبيل إلى الجنة.. إن من امتيازات هذا التسبيحات أنها مرتبطة بالكوثر، يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، والمصداق الأتم لهذه الآية هو فاطمة (ع).. وتسبيح فاطمة (ع)سبيل إلى الجنة، عن الإمام الصادق (ع): (من سبّح تسبيح فاطمة في دبر المكتوبة، من قبل أن يبسط رجليه؛ أوجب الله له الجنة).
3- أفضل من ألف ركعة.. قال الصادق (ع): (تسبيح الزهراء فاطمة -عليها السلام- في دبر كلّ صلاةٍ، أحبّ إليّ من صلاة ألف ركعة في كلّ يوم).. هل المعنى أن الذي يسبح كل يوم، كأنه صلى ألف ركعة؟.. أم أن هناك احتمالا آخر: أي من سبح أعطي كل يوم ثواب ألف ركعة؟.. أي كل تسبيحة أحب من ألف ركعة!..
4- رضا الرحمن.. قال الباقر (ع): (من سبّح تسبيح فاطمة -عليها السلام- ثم استغفر، غُفر له.. وهي مائة باللسان، وألف في الميزان، ويطرد الشيطان، ويرضي الرحمن).
5- المغفرة.. روي عن الإمام الصادق (ع): (مَن سبّح تسبيح فاطمة الزهراء -عليها السلام- قبل أن يُثني رجليه من صلاة الفريضة؛ غفر الله له.. وليبدأ يالتكبير)..
6- يثقل الميزان.. فقد روي عن الصادق (ع) أنه قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام): التسبيح نصف الميزان، والحمد للَّه يملأ الميزان، واللَّه أكبر يملأ ما بين السماء والأرض).
كيفية التسبيح:
هناك كيفيتان لتسبيح الزهراء (ع)، حيث أن الأخبار اختلفت في كيفية تسبيحها (ع) من تقديم التحميد على التسبيح والعكس، واختلف الأصحاب والمخالفون في ذلك، مع اتّفاقهم جميعاً على استحبابه.. فالأولى: التكبير، ثم التحميد، ثم التسبيح.. والثانية: التكبير، ثم التسبيح، ثم التحميد؛ أي يقدم التسبيح على التحميد.. ولكن الأوْلى أن نحمد الله ثم نسبحه!..
الشك في عدد التسبيحات:
من شك في التسبيح يبني على الأقل، إن لم يتجاوز المحل.. فلو سها فزاد على عدد التكبير أو غيره، رفع اليد عن الزائد وبنى على (34) أو (33)، والأولى على نقص واحدة ثم يكمل العدد بما في التكبير والتحميد دون التسبيح.. قال الصادق (ع): (إذا شككت في تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ فأعده).
سر الأعداد في التسبيحات:
لو أن هناك كنزا في مكان ما، ولكي يصل إليه الإنسان، يجب أن يتقدم إلى الأمام ثلاثين خطوة، ثم يمينا عشرين خطوة، ثم يسارا عشر خطوات.. فهل يصل إليه إذا خالف هذه الأعداد؟.. وكذلك فإن هذه الأعداد مرسومة ومحسوبة في كل الموارد، والذي يخالف يفوته الكنز.. قال الصادق (ع): (اعلموا أن أسماء اللَّه كنوز، والأعداد ذراعها.. إذا قصر الذراع لم يصل إلى الأرض، وإذا طال الذراع دخل في الأرض).
فإذن، يجب المحافظة على العدد، وعدم الزيادة والنقصان فيها.. والعمل بها، وبالأدعية المأثورة؛ ليستفاد منها الاستفادة المطلوبة.. ولكن بشرط عدم ابتداع الأدعية، كمن سمع دعاء في المنام، فيوصي الآخرين به، ويهدد بأن من لم يعمل به، يحدث له كذا وكذا!.. فهذا ليس من الدين في شيء، وقد يخالفون -أحيانا- حكما شرعيا، مثلا: يكتبون هذه التوصيات على قرآن في المسجد.. فهو بأي حق تصرف بمال وقفي، وكتب عليه هذه الأباطيل؟.. إن هذه الأمور من دواعي الجهل، فإيانا أن نجعلها باسم الدين!..
شاه زنان ~
05-10-2010, 03:45 AM
عنوان الزاد :المؤثرات السلبية الغيبيه
إن طبيعة الجنس البشري أنه يتأثر بالأوهام، إلى درجة أنه يتعامل مع الموهوم تعامله مع المتيقن.. مثال ذلك: لو طلب من إنسان أن ينام ليلة مع ميت، فإن معظم الناس يستوحش من ذلك، رغم يقينه أن هذا الميت كالخشبة.. فالإنسان يخاف من الحي، لا من الميت.
قديما كانت تعد الجراثيم من عالم الغيب -بمعنى من المعاني- لأنها لا ترى، وذلك قبل اكتشاف المجهر، أما الآن وبعد اكتشافه، فإننا نرى أدق الأشياء.. وهذه الأيام هنالك ما يسمى: بالعين، والسحر، والشعوذة، والعمل.. فما هو الموقف الشرعي تجاه هذه الأمور؟..
إن بعض الناس طبيعتهم هكذا!.. ولعل البعض يتظاهر بالأكاديمية، وأنه إنسان علمي وموضوعي، فينفي كل شيء ما وراء المادة.. وطبعا هذا من الجهل بكل وضوح!.. لأننا نعيش في بيئة مليئة بالأمواج المغناطيسية، والكهربائية، والصويتة ...الخ.. وكل ما حولنا هو أشد تأثيرا في حياتنا من الشهود.. وعليه، فإن الإنسان الذي لا يعتقد بأصل المادة، هذا إنسان غير موضوعي.
إن الإنسان لا ينفي أصل الموضوع، فهناك سورة في القرآن الكريم باسم (الجن) {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا}.. وبالنسبة إلى السحر أيضا يقول القرآن الكريم: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}.. قديما كان هذا السحر موجودا، كانوا يعقدون العقد على الحبل، وتنفث فيه الساحرة.. وهناك معنى آخر للنفاثات: أي أن الإنسان إذا عقد عزمه على شيء، يأتي إنسان يحبط من عزمه؛ أي ينفث في عقده.. وورد أيضا في القرآن الكريم: {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}.
فإذن، إن هناك حقيقة قائمة، ولكن ليس معنى ذلك أن كل ما يراه الإنسان من عوامل غريبة، ينسبه إلى السحر وما شابه ذلك.. أحدهم يقول: دخلتُ على الهادي (ع)، وقد نكيت إصبعي، وتلقّاني راكبٌ وصدم كتفي، ودخلتُ في زحمةٍ، فخرقوا عليّ بعض ثيابي، فقلت: كفاني الله شرّك من يومٍ فما أشأمك!.. فقال لي: (يا حسن!.. هذا وأنت تغشانا، ترمي بذنبك من لا ذنب له).. فأثاب إليّ عقلي، وتبيّنتُ خطائي، فقلت: مولاي!.. أستغفر الله، فقال: (يا حسن!.. ما ذنب الأيام حتى صرتم تتشأمون بها، إذا جُوزيتم بأعمالكم فيها)؟.. قال الحسن: أنا أستغفر الله أبداً وهي توبتي يا بن رسول الله!.. قال: (والله ما ينفعكم، ولكنّ الله يعاقبكم بذمّها على ما لا ذمّ عليها فيه.. أما علمت يا حسن!.. أنّ الله هو المثيب والمعاقب، والمجازي بالأعمال عاجلاً وآجلاً)؟.. قلت: بلى، يا مولاي!.. قال: (لا تعد، ولا تجعل للأيام صنعاً في حكم الله)..
وعليه، فإن هناك نكبات وبلاء، ولكن ليس معنى ذلك أنه كلما رأينا بلية، نفسر ذلك على أنه من عمل السحر والجن وما شابه ذلك.. والحل هو:
أولاً: أن لا ننتقل من عالم الشهود إلى عالم ما وراء الطبيعة إلا بدليل قاطع، وأنى لنا بدليل قاطع!..
ثانياً: دفع الصدقة.. فالوقاية خير من العلاج.. هناك ما يسمى اليوم بالتطعيم ضد الأوبئة والأخطار، لمن يخاف من المفاجآت المستقبلية.. وكذلك الذي يخاف من مفاجآت القضاء والقدر، عليه أن يدفع صدقة، وقد يكون أثر هذا العمل أكثر من بعض الأحراز لأن فيه تضحية، {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}.
فإذن، يستحب للإنسان أن يدفع صدقة يومية، والذي نفهمه من الروايات، أن صدقة الليل غير صدقة النهار.. وهناك فرق بين عزل الصدقة وبين دفع الصدقة، حيث أن الأثر الأتم لدفع الصدقة للفقير، لا لعزل الصدقة.. ومن هنا ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} أنّه قال: (إنّي ضامن على ربّي تعالى، أنّ الصدقة لا تقع في يد العبد حتّى تقع في يد الربّ تعالى)، وكان يقول: (ليس من شيء إلاّ وكّل به ملك، إلاّ الصدقة فإنّها تقع في يد الله تعالى).. فهذا الفقير مرتبط بنحو من الأنحاء بالله عز وجل؛ لأن الفقراء عيال الله.
هناك ما يسمى بالحل الشرعي لمن لا يستطيع دفع الصدقة مباشرة إلى الفقير، وهو: أخذ وكالة من الفقير.. تقول: يا فلان!.. اجعلني وكيلا عنك في قبض الصدقات.. فتجعل الصدقة في يدك اليمنى ثم تقول: أخذت هذه الصدقة نيابة عن الفقير الفلاني، ثم تقبض المال.. وهكذا تجمع هذه الصدقات، وتجعلها أمانة عندك، إلى أن تراه في يوم من الأيام، وتقدمها له.. وبهذه الطريقة تدفع المال إلى الفقير مباشرة.. وهذا الطريقة أشد تأثيرا في دفع البلاء، من عزل الصدقة ودفعها في فيما بعد.
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:17 PM
عنوان الزاد : روافد الشر غير المرئية
إن الشر بعض الأوقات يأتي من مصدر مادي معلوم، كإنسان عدو مثلا.. وأحيانا يأتي من عالم غير مرئي من: الجن، والشياطين، والحسد، وغير ذلك من الأمور.. ولكن المؤمن يحاول دائما أن يتناول الشق المادي، ولا يحيل الأمر إلى الجانب الغيبي، وذلك لأمرين:
أولا: الغيب لا يرى.. فلو اعتقد إنسان أن جنا قد مسه، كيف يصارع ويواجه هذا الجن الذي لا يرى؟.. فلو كان المهاجم عدوا، لاستطاع أن يشتكي عليه أو يواجهه.. ولو كان جراثيم، لاستخدم مضادا حيويا للقضاء عليه.. أما الجن الذي لا يرى، كيف يقضي عليه؟.. وهنا وبسبب هذه الأوهام، يذهب لكل نصاب ومشعوذ.
ثانيا: الغيب لا يقطع به.. فالإنسان عندما يرى عدوا أمامه، يقول: هذا عدو أمامي، ولكنه لا يقطع أن الذي وراء الكواليس، هي هذه الأمور الغيبية.. فإذن، إن المؤمن سياسته سياسة القرآن الكريم: لا يتبع الظن، ولكن يمشي وراء اليقين{إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}.. ولكن مع ذلك نحن قوم واقعيون، نتبع القرآن والسنة.. فالقرآن ذكر الجن في آيات متفرقة، منها: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}.. وقد صنّف القرآن الكريم الجن إلى صالحين وغير صالحين {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا}، وكذلك ذكر شر الجن: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.. وفي أدعية أهل البيت (ع): (أعيذ نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي وإخواني في ديني، وما رزقني ربي، وخواتيم عملي، ومن يعنيني أمره.. بالله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.. وبرب الفلق من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، من شر حاسد إذا حسد.. وبرب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس).
فإذن، إن هناك شرا يصلنا من الجن، وهناك شرا من الناس.. فما هو الحل الجامع لهذا الأمر؟..
الحل هو أن نوكل الأمر اليقيني والاحتمالي إلى خالق الشرور.. فالإنسان عندما يصاب بمرض، يحتمل الطبيب أن الجرثومة الفلانية هي السبب وراء ذلك المرض؛ فيعطيه مضادا حيويا يقضي على الجرثومة المحتملة غير المقطوع به.. وكذلك المؤمن، فإنه يراجع ربه ويقول: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ}.. وهنا نكتة قرآنية لطيفة: فـ{أَعُوذُ} فعل مستمر؛ لأن العدو عداوته مستمرة، {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}.. أحيانا الطائرات المعادية تهجم مرة في السنة، أما إذا كان الهجوم يوميا؛ فلا بد أن يكون الدفاع يوميا.. وعليه، فبما أن الشيطان يوسوس دائما، فإن على الإنسان اللجوء إلى الاستعاذة المستمرة، للتصدي لهذا العدو: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.
إن هنالك بشارة لجميع المؤمنين، وهي أن الشياطين والأجنة، لا تصل إلى أعضاء بدن الإنسان.. فالشياطين والجن لو كان لهم سلطة على الأبدان، لذكر ذلك القرآن الكريم، إنما شغلهم الوسوسة فقط.. ومن هنا الشيطان يوم القيامة يدافع عن نفسه دفاعا بليغا: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.. أي أنا عملي كان مجرد دعوة، ولم يكن هناك إلزام وإكراه.. ومن منا يدعي أن الشيطان دفعه إلى المعصية دفعا؟!.. فإذن، إن الأمر سهل ما دامت القضية وسوسة، فالذي يلتفت إلى منافذ قلبه، ينجو من هذا الشر.
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:27 PM
عنوان الزاد : الإحرام
إن الميقات هو النقطة الأولى للقاء مع رب العالمين، وقد ورد إن السجاد (ع) «لما أحرم واستوت به راحلته: اصفر لونه، وانتقض، ووقع عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي.. فقيل له: لم لا تلبي؟.. فقال: أخشى أن يقول لي ربي: لا لبيك ولا سعديك!.. فلما لبّى غشي عليه وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه».. إن الملوك عادة إذا لم يحبوا اللقاء مع أحد يمنعونه من الدخول من الباب.. فرب العالمين -والله العالم- من الممكن أن يقبل حجة البعض وعمرة البعض، وعلامة القبول هي تفاعله في نقطة الميقات.. هذا الكلام عن إحرام الحج والعمرة، ولكن الإنسان يحرم كل يوم، في كل فريضة، وحاله حال المحرم في الميقات.. فالتكبيرة الأولى، تسمى تكبيرة الإحرام.. والصلاة معراج المؤمن؛ فكما أن الحج والعمرة سفرة أفقية على الأرض، فإن الصلاة سفرة عمودية إلى السماء.
فإذن، إن المؤمن الذي يريد أن يتقن صلاته اليومية، فليستولي على حدود الصلاة الأولى.. ومن المعروف أن الذي يتقن تكبيرة الإحرام، يتقن الصلاة.. إذا أراد الإنسان أن يخشع، فليسيطر على صلاته من تكبيرة الإحرام.. وتكبيرة الإحرام من أركان الصلاة، إذا نسيت التكبيرة سهوا أو عمدا؛ تعتبر الصلاة باطلة.. وتأتي هذه التكبيرة بعد ست تكبيرات مستحبة، وكأن الله -عز وجل- يريد أن يدربنا على تكبيرة الإحرام.
إن المؤمن قبل تكبيرة الإحرام، يستعد للقاء الإلهي.. ما المانع أن يطيل الوقت قبل التكبيرة؟.. إن البعض يتوقف -تقريبا- بمقدار الصلاة الواجبة، ويقول: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.. فكما أنوجهك الظاهري إلى جهة القبلة، لماذا لا توجه قلبك الباطني إلى جهة الرب أيضا؟.. وهنيئا لمن استدر دمعة بمقدار جناح بعوضة، ثم بعد ذلك قال: الله أكبر!..
ما معنى الله أكبر؟!..
نحن نستخدم صيغة التفضيل، فنقول: فلان عمره أكبر من فلان!.. وفلان أطول من فلان!.. ولكن هل هناك أحد مقابل رب العالمين، كي نقول: بأن الله أكبر منه؟!.. حاشا أن يكون طرفا للقياس!.. فإذن أكبر من من أي شيء؟!.. الله أكبر من أن يوصف!.. إن غاية المدح أن تعجز عن مدحه!..
فيك يا أعجوبة الكون *** غــدا الفكر عليلا
كلما أقدم فكــري *** فيــك شبراً فرَّ ميلا
أنت حيــرت ذوي *** اللب وبلبلت العقـولا
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:29 PM
عنوان الزاد : سجدة الشكر
إن البعض يظن أن سجدة الشكر خاصة بالصلاة الواجبة، والحال أن سجدة الشكر -كما هو معلوم من اسمها- يؤتى بها بعد حصول نعمة من الله سبحانه، أو دفع نقمة منه، وتكون في كل وقت.. مثلا: إنسان جالس في المنزل، فيتذكر نعمة من نعم الله، فيخر لله ساجدا.. هذه حركة مشكورة من العبد.. والبعض في المستشفى عندما يقال له: فلان برأ من مرضه، فيخر لله ساجدا.. هناك ثلاث جمل شرطية وردت في القرآن الكريم، ورب العالمين أصدق الصادقين {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ}:
الأولى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}.. طبعا هناك فرق بين ذكر العبد لربه، فهذا الإنسان المسكين يذكره لقلقة لسان.. وبين ذكر الله -عز وجل- لعبده، لأنه إذا ذكره؛ قلب كيانه!..
الثانية: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.. اللام لام التأكيد، والنون نون التوكيد الثقيلة.. فهو إما أن يُعطى من جنس النعمة المشكورة، أو من جنس آخر.. مثلا: إنسان أعطي ولدا، فشكر الله: فإما أن يعطى ولدا آخر صالحا، أو يعطى من جنس آخر ، كالمال الوفير مثلا.. فالعبارة مفتوحة، ورب العالمين لا مانع لعطائه.
الثالثة: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.. فرب العالمين كما نقرأ في المناجاة: (وليس من صفاتك يا سيدي، أن تأمر بالسؤال وتمنع العطية)!..
فإذن، إن سجدة الشكر يمكن استعمالها في كل الحالات، والأفضل أن تؤدى على نحو سجدتين.. ويُستحبّ فيها تعفير الجبينين بين السجدتين، وكذا تعفير الخدّين.. ويستحب فيها أن يفترش ذراعيه، ويلصق صدره وبطنه بالأرض.
لطالما الإنسان أراد أن يسجد لله شكرا، وإذ بهذا الشكر يجره إلى المناجاة مع رب العالمين.. بعض العلماء يقول: ليس هناك مانع أبدا، أن تبكي على مشكلة من مصائب الدنيا، وبمجرد أن تدمع عيناك، ويرق قلبك؛ تحوّل الحالة إلى رب العالمين.. (تبكيك عيني لا لأجل مثوبة ولكن عيني لأجلك دامعة).. قال الرضا (ع): (... فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإن البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام).. هذا ليس فيه أي شك أو شبهة، ولا رياء.. بل العكس، يضيق صدر الإنسان من الدنيا، فيحول هذا الضيق للآخرة.. ولعل الله يبتلي المؤمن ببعض هذا الضيق حتى يذكره به!.. فإذن، إن المؤمن يشكر الله أن ابتلاه بهذه المصيبة، حتى يذكر رب العالمين.
هناك إشارة في الرسالة العملية: أن البعض عندما يقف أمام ضريح المعصوم، يسجد على الأرض.. فما حكم هذا السجود؟..
نحن نعرف أن السجود لا يكون إلا لله عز وجل {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}، قد يكون التفسير أن المساجد السبعة، هي الأعضاء السبعة التي يسجد عليها في الصلاة: الكفين، والركبتين، والإبهامين، والجبهة.. يقول أصحاب الرسائل العملية: إن هذا السجود، هو سجود الشكر لله أن وفقهم لزيارة هذا المعصوم (ع).. وإلا أن يسجد الإنسان لغير الله، فإن هذا ليس من الإيمان.
إن من موارد سجود الشكر، أن يُوفق الإنسان للإصلاح بين متنازعين.. يا لها من فضيلة عند الله عز وجل!.. لأن الإنسان عندما يتخاصم مع أحد، يتجاوز الحدود الشرعية: غيبة، وبهتانا، وفحشا.. فهو عندما يصلح بين مؤمنين، أو بين مؤمن ومؤمنة؛ يكون قد منع عنهما هذا الحرام الكبير.
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:31 PM
عنوان الزاد : القنوت
إن المؤمن في صلاته اليومية، هناك سورة، وآيات، وذكر في الركوع والسجود؛ لا يمكنه مخالفتها.. ولكن الفرصة التي أتيحت للمصلي كي ينطلق في مناجاة مفتوحة مع رب العالمين، هي القنوت.. فالإنسان في القنوت يتحدث مع ربه بالمأثور وغير المأثور، والأفضل المأثور.. ولكن ليس هناك مانع بعد الانتهاء من المأثور، أن يناجي الإنسان ربه بما يشاء، حتى أن الفقهاء يقولون في كتبهم: أن القنوت من الممكن أن يكون بغير العربية؛ أي من الممكن أن يناجي المصلي ربه بلغته الأم.. طبعا هذا لا يعد قنوتا، ولكنه لا يبطل الصلاة.
وعليه، فإن الإنسان جيد أن يلتزم بالمأثور.. ولكن الذي يقرأ دعاء ثابتا طوال عمره، لا يغير منه شيئا، -كأن يقرأ مثلا: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}-.. يتعود على لفظة ثابتة، فلا يتفاعل.. لهذا بعض المؤمنين يستثير دمعته بمناجاة من مناجيات شهر رمضان، هل هناك مانع إن قسا قلبه أن يقول: (وَمالي لا أَبْكي وَلا اَدْري إِلى ما يَكُونُ مَصيري... اَبْكي لِضيقِ لَحَدي، اَبْكي لِسُؤالِ مُنْكَرٍ وَنَكيرٍ اِيّايَ...)!..
إن المؤمن يستثير دمعته بما أمكنه من الأدعية.. هناك مجموعة من الأدعية القرآنية تبدأ بربنا أو ربي، من المناسب أن يُطعم المصلي قنوته بهذه الأدعية، مثل: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}.
{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}.
{رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
{رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ} .
{رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}.
{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}.
{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}.
إن من الملاحظ أن هناك صلاتين فيهما قنوتان، والغريب أن إحدهما في الملأ العام وفي جمع من المؤمنين، والأخرى في جوف الليل.. وهما: صلاة الجمعة، والوتر.. صلاة الجمعة فيها معاني سياسية، وفيها خطبة، وفيها حديث يتعلق بشؤون المسلمين، والإنسان في صلاة الجمعة يقنت قبل الركوع وبعد الركوع.. وكذلك فإن هذه الحركة واقعة في صلاة الوتر في جوف الليل.
لعل السبب -والله العالم- أن الجو جو استجابة، وفي جوف الليل رب العالمين يقبل على عبده (سُئِل الإمام زين العابدين عليه السلام: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجهاً؟.. قال: لأنهم خلو بربهم، فكساهم من نوره).. هنيئا لمن كان له هذا المقام!.. ولا تفوتكم ثلاثة مائة مرة "العفو".
يستحب عند الاستيقاظ في الليل، النظر إلى السماء، لما في ذلك من عظيم التدبر {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ}.. انظروا إلى جامعية الإسلام: أنت قمت لصلاة الليل، ولكن لا تنسى التفكر!.. الذكر حسن، والمناجاة جميلة.. ولكن انظر إلى السماء، {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:32 PM
عنوان الزاد : صلاة الجماعة 1
قلما ورد التأكيد على مستحب، كالتأكيد على صلاة الجماعة.. في روايات أهل البيت (ع)، هناك تأكيد كبير على هذه الصلاة، حتى يفهم من بعض المضامين أن الركعة الواحدة لا يحصي ثوابها إلا الله عز وجل.. في حديث قدسي طويل، ورد فيه أهمية وفضل صلاة الجماعة: (... فإذا زادوا على العشرة، فلو صارت بحار السماوات والأرض كلّها مداداً، والأشجار أقلاماً، والثقلان مع الملائكة كتاباًَ؛ لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة واحدة).. الخبر.
لماذا التأكيد على صلاة الجماعة، وما هي الدروس المستفادة من صلاة الجماعة؟..
أولا: إن الجماعة مظهر من مظاهر عزة الإسلام والمسلمين.. فلو لم يكن هناك حج، وليس هناك كعبة، ولا مسجد حرام؛ فإن الدين سيكون باهتا جدا.. فالمساجد والجماعة من مظاهر عزة المسلمين.. المسجد الممتلئ بالمصلين، هذا المسجد وجيه عند الله عز وجل.. يوم القيامة المساجد الفارغة، من الثلاثة الذين يشكون إلى الله عز وجل.. (ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: مسجد خراب لا يصلي فيه، أهله، وعالم بين جهال، ومصحف مغلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه).. كيف يشكو المسجد؟.. يتحدث كما الأرض تحدث أخبارها يوم القيامة {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}.. فالذي يُنطق كل شيء يوم القيامة، حتى الجلود تشهد علينا وتنطق، ما المانع أن يجعل المسجد يشكو؟..
ثانيا: ورد في الروايات: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، أي لا صلاة كاملة، ولو صلى في غير المسجد، صحت صلاته، ولكنها ناقصة ليس فيها كمال.. أحدنا يتزوج ابنه، فيدعو جيرانه والذي لا يذهب، يسجل عليه مؤاخذة إلى آخر عمره.. فالذي يسمع: (حي على الصلاة) ولا يكلفه الأمر سوى خطوات إلى المسجد؛ من الممكن أن يكون بعيدا عن الرحمة الإلهية.
ثالثا: بعض الناس يوم القيامة كم يبتلى بالحسرة، لأنه كان بإمكانه أن يقيم الصلاة جماعة في بيته!.. إن الزوجة التي لا تعتقد بعدالة زوجها، والأولاد الذين لا يعتقدون بعدالة أبيهم، يدل على أن هناك خللا في الأسرة.. كم من الجميل أن تنظر المرأة إلى زوجها على أنه عادل، وينظر الأولاد إلى أبيهم على أنه عادل!.. ما المانع أن يأم الإنسان أهله؟.. هذه أيضا مزية فقدها البعض.
إن من شرائط إمام الجماعة: طهارة المولد، والعدالة، والبلوغ، والذكورة.. وهناك شرط غريب قلما مر على الأسماع، على نحو الفتوى أو الاحتياط الوجوبي: أن لا يكون من أهل البوادي.. لأن أهل البادية بعيدون عن المعرفة والثقافة {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا}.. فالإسلام يحثنا على أن نعيش في مواطن الثقافة والتعلم.. أما أن نذهب بعيدا في البوادي، فهذه حركة مرفوضة.. ولهذا من الشروط أن لا يكون إمام الجماعة من أهل البوادي.
وهناك شرط آخر: ليس من أذنب وتاب، كمن لم يذنب أصلا.. صحيح أن (الإسلام يجبّ ما قبله)، و(التائب من الذنب، كمن لا ذنب له).. ولكن هنيئا لإنسان لم يتلوث بالمعاصي الكبيرة!.. هنيئا لإنسان منذ أن عرف نفسه من البلوغ، لم يرتكب ما يسخط ربه!.. ومن هنا من شرائط إمام المسجد، أن لا يكون من الذين أقيم عليهم الحد.. حتى وإن تاب وأصبح من كبار المؤمنين، ولكن هذا لا يأم الناس جماعة ولو على الأحوط وجوبا.. معنى ذلك الإنسان الذي أمضى عمره في طاعة الله، عليه أن يحتفظ بهذا النقاء وهذه الطراوة وهذه البراءة.
إن هذه الفترة التي من البلوغ إلى العشرين، هي قمة الشهوات.. فالذي تجاوز هذه المرحلة، يكون قد تجاوز المرحلة الحرجة.. فليستقم على إيمانه، ليكون من الذين ينطبق عليهم هذا الحديث الشريف: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل.. وشاب نشأ في عبادة الله.. ورجل قلبه معلق بالمساجد.. ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه.. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله.. ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.. ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه).
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:33 PM
عنوان الزاد : صلاة الجمعة 2
قلما ورد تأكيد في الشريعة على مستحب، كالتأكيد على صلاة الجماعة.. لماذا التأكيد على هذا المستحب؟..
أولا: حفظ هيبة المساجد.. المساجد بيوت الله عز وجل، والمسجد العامر بالمصلين مسجد وجيه عند الناس.. وإلا فإن رب العالمين له ملك السموات والأرض، ولو خلا العابدون من وجه الأرض، لما أنقص من سلطانه شيء.. يوم القيامة المساجد الفارغة، من الثلاثة الذين يشكون إلى الله عز وجل: (ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: مسجد خراب لا يصلي فيه، أهله، وعالم بين جهال، ومصحف مغلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه).. بعض الناس يجمع كذا مصحف في بيته، وكأن جمع المصاحف امتياز.. لمَ جمع هذه المصاحف التي لا تقرأ؟.. الأفضل أن يكون للإنسان مصحف واحد يقرأ فيه، والباقية يجعلها صدقة جارية.
كيف يشكو المسجد؟.. نعم المسجد يتحدث كما الأرض تحدث أخبارها يوم القيامة {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا}.. الإنسان العاقل، هذا الحيوان الناطق يسأل ويستفسر، والجواب يأتي من الأرض التي كنا ندوسها بالأقدام.. فالذي يُنطق كل شيء يوم القيامة، {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، حتى الجلود تشهد علينا وتنطق، {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.. ما المانع أن يجعل المسجد يشكو؟..
إن الذين يستغربون من كرامة المعصومين، فلينظروا إلى هذه الآية: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}!.. وعليه، فإن رب العالمين إذا ألقى في نفس المعصوم أمرا من الأمور، فلا غرابة في ذلك!..
ثانيا: نزول الرحمة.. نعم، رب العالمين سياسته الرحمة العامة، لا الرحمة الخاصة.. يقول تعالى في سورة الفاتحة: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: {الرَّحْمَنِ} رحمة شاملة للجميع، و{الرَّحِيمِ} رحمة خاصة للبعض؛ وهم المؤمنون.. المؤمنون في بيت من بيوت الله عز وجل، هل تشملهم الرحمة الرحمانية، أم الرحمة الرحيمية؛ إنه وقت نزول الرحمة الخاصة بالمؤمنين؟.. إن رحمة الله -عز وجل- تلاحظ أرقى المأمومين، الإمام يراعي أضعف المأمومين في أداء صلاته، ولكن رب العالمين يراعي أقوى المأمومين في إعطاء الأجر والثواب.. قال النبي (صلى الله عليه وآله): (لا يجتمع أربعون رجلا في أمر واحد، إلا استجاب الله -تعالى- لهم، حتى لو دعوا على جبل لأزالوه).. أربعون رجلا: لم يقل: في المساجد، لم يقل: في صلاة الجماعة، لم يقل: في يوم الجمعة.. فكيف إذا اجتمع الدعاء، وأربعون مؤمنا، وفي المسجد، وبعد الصلاة الواجبة، وفي ليلة أو يوم الجمعة، وكيف إذا كان فيه توجه وخشوع؟!.. الإنسان المؤمن خاصة جيران المساجد، لا يتحمل أن يصلي في المنزل، وهناك بيت من بيوت الله -عز وجل- يناديه للصلاة بين يديه.
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:35 PM
عنوان الزاد : الأذان و الإقامة
إن الأذان والإقامة مقدمتان مهمتان للدخول في بحر الصلاة.. ومن أحكام الأذان والإقامة: أنه من لم يؤذن ولم يقم ودخل في الصلاة، ثم تذكر قبل أن يركع؛ يمكنه أن يقطع صلاته، ثم يؤذن ويقيم.. وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على أهمية الأذان والإقامة.. والذي يتركهما تكاسلا وزهدا فيهما، يعتبر من صور الكسل الذي لا يقبل أبدا.. هذا من البعد الفقهي.
أما البعد الأخلاقي: لعل القليل منا تأمل في مضامين الأذان والإقامة.. أولا الصبغة العامة لهما التوحيد والتهليل، تبدأ بالتكبير، وتنتهي بالتهليل؛ فالجو العام هو جو التوحيد.. والإنسان الموحد هو الذي لا يرى مؤثرا في الوجود سواه، والموحد إنسان هادئ نفسيا، مفوض متوكل لا اعتراض له.. فالتوحيد أساس كل فضيلة أخلاقية: حيث أن الصبر من التوحيد، والشكر من التوحيد، والرضا من التوحيد، والتسليم من التوحيد؛ كل هذه الأبواب تعود إلى التوحيد.. فإذن، التوحيد والتهليل سمتان أساسيتان في حياة الإنسان.
حيَّ على الصلاة: بمعنى عجّل!.. و"حيّ" كلمة قلما تستخدم في اللغة العربية، ولعل البعض فقط يعرف معنى "حيّ"!.. ولهذا فإن المؤمن إذا سمع الأذن، لا يتمالك نفسه.. بعض المؤمنين إذا سمع الأذان ولا يمكنه الصلاة، فإنه يعيش حالة توتر عصبي، وإذا كان في سيارته فإنه يوقفها في أي مكان ويصلي، فهو لا يتحمل أن يؤخر الصلاة عن أول وقتها.. عن عائشة: (كان النبي محمد -صلى الله عليه وسلـم- يحدثنا ونحدثه، ويلاعبنا ونلاعبه.. فإذا حضرت الصلاة، كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه)؛ النبي (ص) كان يتغير وينكر كل من حوله.. وهذه مقولة معروفة عن النبي (ص) حيث يقول: (يا بلال أبرد)!.. وأبرد مأخوذة من البريد؛ أي بمعنى عجّل.. ولعل بلال كان ملهما، لهذا اختاره النبي (ص) رغم أنه كان يلحن في أذانه، كان يلفظ السين بدل الشين.. فكان يقول النبي (ص): (إن سين بلال عند الله شين)؛ أي أذانه صحيح.. فإذن، إما مأخوذة من البريد، أو مأخوذة من أطفئ نار الشوق.. أي يا بلال عجّل في الأذن؛ حتى أصلي بين يدي الله عز وجل.
حيَّ على الفلاح: قال الله -تعالى- في كتابه الكريم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}.. لم يذكر إقامة الصلاة، ولم يذكر الزكاة، فذلك يأتي لاحقا؛ ولكنه ذكر صفة مستحبة.. من من العلماء يفتي بأن الصلاة الخاشعة واجبة؟!.. الكل يقول: الخشوع في الصلاة مستحب، ولكن في هذه الآية علق الفلاح على الخشوع في الصلاة.. لم يقل يخشعون، لم يستعمل الفعل، إنما استعمل اسم الفاعل، لأن هذه صفة راسخة فيهم.. حيث أن من يخشع قد تخونه نفسه، أما الخاشع فهذه صفة أصيلة فيه.
حيَّ على خير العمل.. لماذا الصلاة هي خير العمل؟.. لأن الإمام علي (ع) يقول في حديث عجيب: (واعلم أن كل شيء من عملك تبع لصلاتك)؛ أي كل نشاطك اليومي تبع لصلاتك.. ولهذا القرآن الكريم يقول: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ}، عندما تثنى الوسادة للحاكم الشرعي، فإن أول برنامج له هو إقامة الصلاة.. والإمام المهدي (عج) من أوليات برامجه، أن يقيم الصلاة في الأرض.
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:36 PM
عنوان الزاد : النية
إن الصلاة تتكون من واجبات ركنية، وواجبات غير ركنية.. والواجبات الركنية هي التي تبطل الصلاة بنقصانها عمداً وسهواً.. ومن هذه الواجبات النية، التي هي حركة في القلب.. فالتكبير، والقيام، والركوع، والسجود؛ أعمال خارجية.. أما النية؛ فإنها عملية في القلب، وهي قوام الصلاة.. يقولون: بأن النية بالنسبة إلى العمل، كالروح إلى الجسد: مهما كان الجسد قويا، فهو ميت لا قيمة له.. وأعمالنا كذلك.
أثر النية في الخلود..
إن طاعات الإنسان في الحياة الدنيا، تكون لسنوات محدودة؛ فكيف يعطى الأبدية في الجنة؟.. والأعجب من ذلك، إذا كان هناك مسلم ارتد عن الإسلام، ثم مات بعد الارتداد بثوانٍ قليلة؛ هذا جزاؤه جهنم خالدا فيها؛ لأنه أشرك بالله -عز وجل- {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء}.. هذا الشرك كان لثوان فقط، ولكن الجزاء هو الخلود في جهنم.. وكذلك بالنسبة إلى الطاعة: إذا كان هناك إنسان كافر وأسلم، ثم مات بعد ثوان؛ فإن هذا الإنسان يدخل الجنة خالدا فيها.. والذي أوجب لهذا الخلود في النار، ولهذا الخلود في الجنة؛ هي النية.. أي يا رب، لو أبقيتني إلى أبد الآبدين، لكنت لك مطيعا وبك مؤمنا، أو العكس.. هذا تأثير النية.
الرياء المبطل للعمل..
إن من شرائط الصلاة النية الصحيحة؛ أي أن لا يكون الإنسان مرائيا في عمله.. إن البعض يصلي جماعة، فتأتيه خاطرة: أن الناس ينظرون إليه بارتياح، ونظرتهم هذه توجب له زيادة في المعاش.. أو أن شابا يذهب إلى المسجد، فيكون ذلك مدعاة لتزويجه.. هل هذه الخواطر مبطلة أو غير مبطلة؟..
إن هناك فرقا بين الخواطر، وبين ما استقر في صفحة النفس.. فالرياء المبطل، هو الرياء المستقر، وليس الذي يرد على نحو الخاطرة.. قال تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.. قال تعالى: {إِذَا مَسَّهُمْ}؛ أي اتصال سطحي.. {طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ}؛ لم يقل: شيء استقر من الشيطان.. وقد ورد في الرسالة العملية -مع أن هذه مسألة أخلاقية-: وأما الخواطر فلا تبطل الصلاة، وخصوصا إذا تأذى منها الإنسان.. إذا تأذى الإنسان من خاطرته، فهو إنسان مخلص.
إن من نعم الله علينا، أنه لا يؤاخذنا بالرياء بعد العمل، مثلا: إنسان ذهب إلى الحج وأتقن حجه، وخشع في صلاته، ونقل ذلك إلى الآخرين؛ رب العالمين أكرم من أن يضيع أجره.. الرياء المبطل هو ما كان أثناء العمل، أما الرياء اللاحق؛ فإنه لا يفسد العمل.. وكذلك بالنسبة إلى العجب: إذا أُعجب الإنسان بعمله بعد أداء العمل؛ فإن هذا لا يضر بالعمل.. حيث أن العجب المبطل، هو العجب المقارن.
هل من موجبات عدم الإخلاص، أن يعبد الإنسان ربه طمعا في الجنة، أو خوفا من النار؟..
إن عبادتنا هي إما عبادة العبيد الخائفين، أو عبادة التجار.. فهل هذا يخل بالإخلاص، أم لا؟.. فقيها: لا، الصلاة صحيحة.. أما عرفياً وأخلاقياً؛ فإن هذا بعيد عن الإخلاص.. أين نحن وعبادة أمير المؤمنين، الذي كان يقول: (إلهي!.. ما عبدتك خوفاً من عقابك، ولا طمعاً في ثوابك.. ولكن وجدتك أهلاً للعبادة؛ فعبدتك)؛ هذه هي عبادة الأحرار.. والإنسان المؤمن يحاول أن يترقى في عبادته، ليصل إلى هذه الدرجة.
إننا عندما نتوضأ في الصيف بالماء البارد، أحدنا يتوضأ وهو يعلم أنه ضمنا سوف ينتعش وتسري البرودة إلى بدنه.. هو لا ينوي ذلك، ولكن البرودة تأتيه قصرا.. وكذلك في قربك لله -عز وجل- لا تنوي الحور ولا القصور، بل قل: يا رب!.. أحاول أن أعبدك عبادة الأحرار.. إن استطعت ذلك، فإنه -عز وجل- يعطيك ما لا يخطر على بال بشر.. عندما يدخل الإنسان الجنة، فإنه يرى من الجمال الإلهي ما تندهش منه العقول، يقال له: اذهب إلى القصور وإلى الحور؛ ولكن قلبه لا يطيق فراق هذه الحالة، لأنه يرى أن ما هو فيه من الانشغال بهذا الجمال الإلهي، لا يقاس بالجمال المادي.. ومن هناك قيل: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}!..
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:37 PM
عنوان الزاد : الإسراف و التبذير
إن هنالك مالا مسرفا فيه، ومالا مبذرا به.. فالإنسان تارة يسرف: بمعنى أن أصل العملية صحيح، حيث أن له الحق في أن يشتري طعاما مثلا، ولكن يشتري زيادة عن حاجته.. وتارة يبذر: أي أنه يشتري ما لا يحتاج إليه، ويجعل ماله في غير موضعه؛ فهؤلاء عبر عنهم القرآن الكريم بأنهم أخوان الشياطين، حيث قال تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}.. إذا كان صرف المال الفاني في غير محله يعد تبذيرا، ويجعل الإنسان من أخوان الشياطين؛ فكيف بما هو أرقى من المال، عندما يصرف في غير محله، ألا وهو العمر والوقت؟!..
إن القسم الجاد في حياتنا، يكاد ينحصر في الحضور إلى المسجد، والوقوف للصلاة بين يدي الله عز وجل.. وإلا فإن الأعمار في تلف مستمر، {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.. بعض الناس يمضي يومياً ثلاث أو أربع ساعات في سيارته، والبعض الآخر قد يمضي ساعات من الانتظار في طوابير الشراء، وهناك من هو مبتلى بالأرق؛ لا هو مستيقظ فيعمل شيئا، ولا نائم فيرتاح بدنه.. فهذه الحالات تكون قصراً دون اختيار من الإنسان.. ولكن أحيانا الإنسان بسوء اختياره، يمضي ساعات من عمره في النظر إلى التلفاز، دون أن يستفيد من ذلك شيئا لدنياه أو لآخرته.
فإذن، ماذا نعمل في معظم ساعات العمر، التي هي عبارة عن هذه الساعات التالفة؟..
إن هناك عدة أبواب للاستثمار، منها:
- القراءة.. قراءة القرآن الكريم، وقراءة كل ما ينفع الإنسان لدنياه وآخرته.. إن المؤمن في أيام حياته، لا بد أن يقرأ الألفاظ المشكلة في القرآن الكريم، على الأقل في المصحف الذي بهامشه تفسير بسيط.. لو أن إنسانا هوى فتاة أجنبية، وأرسلت له رسالة؛ ألا يبحث في القاموس كي يعلم ما الذي تقوله هذه المحبوبة؟!.. فكيف إذن بإنسان يدعي أنه يحب رب العالمين، ولا يعلم ماذا يقول؟!.. من تلك الألفاظ: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى}، {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا}.. بعض الكلمات نرددها في اليوم كذا مرة، ولا نعرف معناها.. مثلا: في الصلوات اليومية، نردد هذه الجملة: (سمع الله لمن حمده)!.. لماذا سمع لمن، وليس سمع من؟.. وما معنى الصلاة على محمد وآل محمد؟.. وكذلك ما معنى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}.. في المعوذتين كلمات لا يعرفها معظم الناس {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}، {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}؟.. {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}.. ما معنى: النفاثات، والعقد، وغاسق، والوقب، والخناس؟.. لو جعل الإنسان في مكتبه القرآن المفسر البسيط، وقرأ كل يوم من كل صفحة آية، من الممكن أن يختم القرآن في سنة، من حيث المعنى.
- الذكر.. إن الذكر قسمان: ذكر لفظي وذكر قلبي.. لا بأس للمؤمن أن يتخذ وردا بين وقت وآخر؛ ويلتزم به.. كل أربعين يوما يختار وردا معينا، ويلتزم به خلال ذهابه وإيابه.. ومن أفضل الأذكار سورة التوحيد، ولو اتخذ المؤمن في شهر رمضان من هذه السورة وردا، لأصبح ثريا.. حيث أن كل ثلاث سور بمثابة ختمة، وفي شهر رمضان كل آية بحكم ختمة.. انظر إلى العدد التصاعدي من الأجر لمن كان له قلب!..
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:40 PM
عنوان الزاد : الذكر اليونسي
إن للمؤمن وردا يلتزم به في ساعات فراغه، ومن أفضل الأذكار الذكر القرآني.. هنالك ذكر في القرآن الكريم، الله -عز وجل- جعل النجاة معلقة عليه، وقد وعدنا أن يرتب الآثار على هذا الذكر، كما رتبه على ذلك النبي (ع).. وهو ما يسمى بالذكر اليونسي، وهو من الأذكار المأثورة في حياة الأولياء والصالحين.
قال تعالى في كتابه الكريم: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}:
أولاً: كلمة {نَادَى}، تختلف عن كلمة "ذكر".. حيث أن النداء فيه نوع من أنواع الالتجاء، ولعله يصاحب -في بعض الحالات- رفع الصوت.. فهو إنسان في ظلمات ثلاث: بطن الحوت، وظلمات البحار، وظلمة الليل: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}.. فإذن، هناك التجاء، إذ يكفيه أنه هرب من القوم.
ثانياً: كلمة {إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}؛ أي هناك حالة من حالات الندامة، بما لا ينافي العصمة.
إن الآية لم تذكر عدد المرات التي دعا بها يونس بهذا الدعاء، فلا يستبعد أن تكون مرة واحدة فقط.. فهو لم يقل: ثلاثمائة أو أربعمائة مرة.. إذن النداء كان نداء بليغا، وكان له ثلاث شعب، والذي يلتفت إلى هذه الشعب؛ يكون قد وصل إلى مغزى الذكر اليونسي:
أولا: الانقطاع: {لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ}.. أي لا مؤثر في الوجود إلا أنت، إن كانت هناك نجاة، فيا ربي منك أنت الإله المتحكم في هذا الوجود.
فإذن، هناك انقطاع.. يونس (ع) انقطع إلى الله، ومن ينجيه سواه من بطن الحوت؟.. الآية الكريمة تقول: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وهم في السفينة، عندما تحيط بهم الأمواج، {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.. فكيف إذا كان في بطن الحوت؟..
ثانيا: التنزيه: {سُبْحَانَكَ}.. أي يا رب، أنت المنزه، وما وقعت به فهو هو من فعلي أنا.. لقد خلقتني على وجه الأرض، وجعلتني نبياً يوحى إليه؛ فلماذا انتقلتُ من عالم الدعوى إلى عالم بطن الحيتان؟.. كنتُ معافى، ورب العالمين كتب لي رزقا لي واسعا؛ ولكن المعاصي جعلتني أفتقر، وسلبتني العافية.. سبحانك أنت منزه!.. {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ}.. فإذن، {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، كل بلية وكل سيئة، الأصل فيها يعود إلى بني آدم.
ثالثا: الاعتراف بالظلم: {إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.. أي أنا ظلمت نفسي، ومن أقبح الظلم ظلم أقرب الناس إلى الإنسان.. الله الله في أحب الأنفس إليكم!.. والنفس التي بين جنبينا هي أحب الموجودات إلينا.. وبالتالي، فإن أقبح الظلم ظلم النفس!..
إن للذكر اليونسي طعما متميزا في حالتين:
- بعد المعاصي.. حيث أن المؤمن عندما يعصي، يعيش حالة من الخجل والوجل.. وعندئذ تكون الفرصة الذهبية كي يسجد لله -عز وجل-، وإذا بهذه المعصية الصغيرة تستجلب منه دمعة، تطفئ غضب الله عز وجل.
- بعد الغفلات.. قد يكون الإنسان عادلا، وهذا ممكن!.. ولكن الغفلات ألا تستحق أن يسجد الإنسان لربه -عز وجل- وحالته حالة نبي الله يونس؟!.. وقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}؛ إنه وعد إلهي بمعاملتنا معاملة يونس، ومن أصدق من الله حديثا!..
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:41 PM
عنوان الزاد : المرض
إن من خصائص الإنسان، أنه يبتلى بالمرض ويعافى، هكذا هي الحياة فيها عافية ومرض.. ولكن ما هي الطرق الشرعية للوقاية من الآفات؟..
أولاً: الأخذ بعالم الأسباب.. إن الإنسان المؤمن عندما يمرض عليه أن يراجع الطبيب، وإلا فإنه من الخطأ أن يترك الإنسان سعيه وراء عالم الأسباب.. مثلا: في عالم الرزق، هل هناك عالم عارف يقول: عليكم بالدعاء، واتركوا طلب الرزق؟.. هذا لا يعقل!.. وكذلك في عالم الأبدان، فالإنسان عندما يمرض، عليه أن يراجع الطبيب.
ثانياً: مراعاة الحدود الشرعية.. إن من موجبات تأخر الشفاء عند بعض المؤمنين: مخالفة الحكم الشرعي.. إذ أن الإنسان بعض الأوقات عندما يمرض، قد يراجع الطبيب من غير زاوية شرعية.. مثلا: امرأة مؤمنة تمرض، فتراجع طبيبا، مع وجود طبيبة في نفس المستوى؛ فتكشف من بدنها ما لا يجوز كشفه.
ثالثاً: الدفع قبل الرفع.. أي الدعاء قبل نزول البلاء.. فالإنسان وهو معافى، عليه أن يدعو لإدامة العافية؛ وهذا مؤثر في دفع الأمراض.. ومن هذه الأدعية: (يا ولي العافية!.. نسألك العافية؛ عافية الدين والدنيا والآخرة).. (يا لطيف!.. إرحم عبدك الضعيف).
رابعاً: الدعاء.. هناك دعاء رواه الفريقان: عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْهُ أَجَلُهُ، فقالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّات: أَسْأَلُ اللَّه الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشفِيَك؛ إِلاَّ عَافَاهُ اللَّه مِنْ ذلكَ المَرَضِ).. البعض يكون في شدة، ولا يدعو لنفسه، ويقول للغير: أسألكم الدعاء.. يقولون: (ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة)؛ هو صاحب شدة، فعليه أن يدعو لنفسه ولغيره؛ فالدعاء أيضا مستجاب.. وكذلك الصلاة على النبي وآله في أول الدعاء وفي آخره.
خامساً: ماء زمزم، وتربة الحسين (ع).. هنالك وصفة طبية شرعية، لا كلام في تأثيرها، وهي: خلط قليل من ماء زمزم مع تربة الحسين (ع).. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له).. وروي أيضا: (أن الله عوض الحسين (عليه السلام) أربع خصال: جعل الشفاء في تربته، وإجابة الدعاء تحت قبّته، والأئمة من ذريّته، وأن لا تعد أيّام زائريه من أعمارهم).. هل هذه المزية هي بخصوص التربة التي تحت القبة فقط، أو أن ذلك يعم كل تربة كربلاء؟.. لذلك من باب الاحتياط: اجعل شيئا من التراب في الماء حتى تذوب، واقرأ عليه سورة الحمد مرة، أو أربعين مرة، أو سبعين مرة وهو عدد مبارك، ثم تشرب هذا الماء.. ما المانع أن يشرب هذا الماء لشفاء الأمراض النفسية، والأمراض القلبية أيضا؟!.. مثلا: إنسان حسود أو متكبر، ويريد أن يستشفي بماء زمزم مع تربة الحسين، لا بأس أن يقول: أشرب ماء زمزم لشفاء ذلك.
سادساً: تفقد المرضى.. إذا كان فيك مرض، فزر مريضا، وقف على رأسه وقل: يا فلان!.. أدع لي، وأنت قل: آمين!.. حيث أن دعاء المريض في حق من زاره مستجاب.. وخاصة إذا كان هذا المريض المؤمن ملهوفا، ولا يزوره أحد.. هذا الدعاء يخرق الحجب!..
سابعاً: طلب الدعاء من الفقير.. إذا كنت مريضا ادفع مالا لفقير وقل: يا فلان!.. ادع لي لقضاء حاجتي.
شاه زنان ~
05-17-2010, 10:42 PM
عنوان الزاد : الدعاء
بعد أن نرفع رؤوسنا من الركوع نقول: (سمع الله لمن حمده)!.. إن كلمة "سمع" في اللغة العربية هي فعل متعدٍّ؛ أي أنه لا يحتاج إلى حرف جر، بل فعل وفاعل ومفعول به.. مثلا: تقول: سمعت صوت فلان، ولا تقول: سمعت لصوت فلان.. فإذن، إن اللام في غير محلها.. ولكن أيضا في اللغة العربية، الفعل بعض الأوقات يعطى معنى فعل آخر؛ فيعامل معاملة الفعل الجديد.. مثلا: "سمع" الذي هو الفعل الأصلي كان متعديا، فأصبح هنا لازما؛ أي يحتاج إلى حرف جر.. وهنا: الفعل "سمع" خرج عن كونه سمع؛ بل تضمن معنى "استجاب".. لذا فإنه من الواضح أن يتعدى باللام.. استجاب الله لفلان، واستجاب الله لمن حمده.
إن الأمر الواقع لا محالة، يعبر عنه بالفعل الماضي.. مع أن الروم غلبوا بعد حياة الرسول (ص)، ولكن القرآن الكريم يقول: {غُلِبَتِ الرُّومُ}؛ بمعنى أن القضية محققة الوقوع.. وكذلك (سمع الله لمن حمده)، أي الذي يحمد الله، فإن رب العالمين استجاب له دعاءه؛ أي سمع الله لمن حمده ودعاه.. ولكن الذي يحمد الله، ما طلب شيئا؛ فكيف استجاب رب العالمين له وسمع نداءه؟..
الجواب: هناك طلب بلسان المقال، وهناك طلب بلسان الحال.. رب العالمين إذا رضا عن عبد، دبر أمره، واستجاب له، وإن لم يصرح بالطلب.. فشعاره: (علمك بحالي يغنيك، عن سؤالي).
لطالما دعونا في حياتنا اليومية، وكذلك تحت الميزاب، وعند الحطيم؛ في مواطن الاستجابة، ولم نر إجابة.. فكيف يجتمع ذلك مع هذه الآية الكريمة: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، إذ أن الله -عز وجل-لم يقيد الدعاء بشيء.. والحال أن أكثر الحوائج عندنا غير مقضية؟..
الجواب: إن كل دعاء يرتفع إلى الله –عز وجل- ولكن بشرطه وشروطه.. رب العالمين استجاب دعاءه، ولكن إجابته لا تطابق طلب العبد، بل تفوق طلبه.. مثلا: إنسان بحاجة إلى سكن، فيقدم طلبا إلى وزير الإسكان.. فهذا الوزير تارة لا يقبل الطلب، فيكتب تحته: للدارسة؛ أي يجمد.. وتارة يقبل الطلب، ويريد أن يعطيه سكنا.. هو يريد بيتا لذوي الدخل المحدود، ولكن الوزير استجاب له، فأعطاه قصره.
وعليه، فما على الإنسان إلا أن يقدم الملف!.. قال الله تبارك وتعالى: (يا بن آدم!.. أطعني فيما أمرتكَ، ولا تـُعلـّمني ما يـُصلحك).. عبدي!.. ادعوني ولا تعلمني.. قل: يا رب!.. عافني في نفسي وأهلي وولدي.. ولكن كيف يعافيك؟.. فإن هذا الأمر إليه!..
فإذن، إن حوائجنا مستجابة، ولكن لها ثلاث شقوق:
1- إما أن نعطى الحاجة معجلة.
2- وإما أن نعطى الحاجة مؤجلة، قال الله -عز وجل- لموسى (ع): {قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا}، ولكن أربعين عاما كان بين الوعد الإلهي والإجابة.
3- وإما لا نعطى الحاجة لا معجلة ولا مؤجلة، بل يعوض في الآخرة.. ينظر العبد يوم القيامة إلى الحوائج التي قضيت في الدنيا، وإلى الحوائج التي لم تقض، ويرى التعويض الإلهي.. عندئذ يتمنى لو لم تستجب له دعوة واحدة، لما يرى من التعويض في ذلك العالم.. لذا، فإن على المؤمن أن يدعو الله دائما، وبأعصاب باردة.
شاه زنان ~
06-27-2010, 03:19 AM
عنوان الزاد : الإقبال و الإدبار
إن الناس صنفان: صنف يعيش الهواجس المعنوية، ويهتم بمسألة الإقبال والإدبار.. وصنف لا تهمه هذه المسألة؛ إنما كل همه ينحصر في الأكل والشرب واللبس، وما إلى ذلك من متع الحياة الدنيا؛ وهذا الصنف أقرب ما يكون إلى عالم البهائم، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا}.
فإذن، إن هناك قسما من الناس يعيش الهواجس المعنوية، ويحمل همّ الروح التي بين جنبيه.. هذه الروح الخالدة بخلود الله -عز وجل- وبإذن الله عز وجل؛ فيعطي لهذه الروح الاهتمام الذي يتناسب مع خلود الأرواح.. وعليه، فإن مسألة الإقبال والإدبار من العوارض المهمة للروح الإنسانية، ولطالما شغلت بال الذين هم في طريق التكامل، وفي طريق القرب إلى رب العزة والجلال.
من أهم القواعد في هذا المجال:
- استشعار حالة الألم والمرارة، من البعد عن الله عز وجل.. فالإنسان الذي لا يعيش الهواجس المعنوية: إن أقبل يشكر الله على هذه النعمة، وإن أدبر لا يعيش المرارة أبدا ولا يتألم لذلك.. إن استيقظ لصلاة الفجر صلى صلاته، وإن لم يستيقظ فإن الأمر لا يحرك فيه ساكنا؛ فهذا الإنسان بعيد كل البعد عن هذه الدائرة المقدسة!.. إنما المؤمنون المرهفون، الذين يحملون هذا الهم، عندما تنتابهم حالة الإدبار، وخصوصا في الصلاة الواجبة، يعيشون حالة الألم العميق.
إن الإدبار عدة أنواع:
إدبار طبيعي: مثلا: إنسان مريض، أو له هواجس دنيوية مشغلة؛ فهذا يكون من الصنف الذي يعذر في إدباره.
إدبار عقوبة: حيث أن هناك إدبارا يستشم منه العقوبة الإلهية، بمثابة إنسان له موعد مع السلطان، وعندما يفتح الباب ويقترب، يأمر السلطان أعوانه بطرد ذلك الإنسان.. هذا إدبار مؤلم، ويثير الحزن الشديد.
إدبار لطف.. بعض أنواع الإدبار قد يكون من باب اللطف؛ فرب العالمين قد لا يعطي بعض المزايا الروحية والمعنوية للعبد؛ لئلا يعيش حالة العجب والغرور.. ورد في الحديث: (سيئة تسوء ك خير من حسنة تعجبك).
وعليه، فإن المؤمن عندما يصاب بحالة الإدبار، إن رأى سببا ظاهريا: إرهاقاً بدنياً، أو تعب نفسياً؛ قد لا يقلق هذا الإدبار كثيرا.. ولكن إن تكررت هذه الحالة: كأن يصلي أياما صلاة غير خاشعة، أو مر أسبوع كامل وهو يصلي الفجر قضاء، أو وهو في المشاهد المشرفة، يذهب كل يوم إلى زيارة بيت الله الحرام وقبر النبي (ص)، ولا يتفاعل في هذه الزيارة؛ فمن الممكن أن تكون هذه إشارة إلى أن هناك خللا في تركيبته الباطنية.. عندئذ عليه بسبر غور النفس، وعمل استقراء لواقعه ولحاله.
فإذن، إن الخطوة الأولى هي البحث الدقيق عن الذنوب التي أوجبت له هذا الإدبار.. وإن اكتشف ذنبا، فلابد هنا من التعويض:
أولا: بإصلاح الأمر فيما بينه وبين الله عز وجل؛ بمعنى الاستغفار العميق، والتوبة النصوح.
ثانيا: البحث عما يوجب له الكفارة، إذا كان هناك خطأ في البين: مثلا: آذى إنسانا، أو كسر خاطر إنسان، فعن الرسول (ص): (من كسر مؤمناً، فعليه جبره).
شاه زنان ~
06-27-2010, 03:21 AM
عنوان الزاد : التبرم من الخلق
إن الإنسان عندما يزداد قربا من الله عز وجل، ورقة في علاقته مع رب العالمين؛ تنتابه حالة من حالات الإدبار والتبرم من الخلق.. وكأن هناك حالة من الضدية أو الاثنينية بين الخالق والمخلوق: إن التفت إلى الخالق انشغل عن المخلوق، وإن التفت إلى المخلوق انشغل عن الخالق.
إن الإنسان الذي يدمن النظر إلى المتاع الزائل، فإن قلبه من الطبيعي أن ينشغل عن النظر إلى الجمال العلوي، وخاصة إذا كان الالتفات مع محبة وميل.. إذ أن هناك فرقا بين النظرة الساذجة العابرة للدنيا، وبين النظرة المعمقة المشوبة بالحب والميل.. يقول أمير المؤمنين (ع) في وصفه للدنيا: (من نظر إليها أعمته، ومن نظر بها بصرته)؛ فنحن تارة ننظر إلى الدنيا، وتارة ننظر بالدنيا.
وعليه، فإن هذه الحالة من الاثنينية حالة طبيعية: فالذي يشغل قلبه بما تراه عيناه؛ من الطبيعي أن لا يتفرغ إلى جمال العالم العلوي.. ولكن في نفس الوقت الذي يتلذذ باللذائذ المعنوية؛ سوءا كانت لذائذ جوف الليل، أو لذائذ الصلاة الواجبة؛ فإنه يعيش حالة الجفاء مع المخلوقين، ومع الوقت يعيش حالة التقوقع والانعزال عن الناس.. ومع الأسف قد يظن أنه على خير!.. نعم، هم ليسوا بمثابة {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، ولكن ليست هذه هي الحالة الفضلى أو المثلى للإنسان الكامل.
إن الأنبياء والأوصياء هم قمة الخلق، وليس هناك علاقة متميزة بالله عز وجل، كعلاقة النبي وآله، وقد ورد عنهم -عليهم السلام-: (أن لنا مع الله حالات، لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل).. ولكن النبي كان أكثر الناس التصاقاً بالناس، وأكثر الناس تعاملاً مع الناس!.. في مسجد الكوفة هناك محاريب لعبادة الأئمة (ع): مقام الإمام الصادق، والإمام زين العابدين، ومقام إبراهيم.. وهناك دكة القضاء لأمير المؤمنين، حيث كان الناس يحتكمون إليه.. فالإمام علي (ع) جمع بين العالمين، ولهذا وهو راكع يسمع نداء الفقير، فيمد يده ليتصدق بالخاتم، وقد ذكر الله -عز وجل- هذه الحركة في القرآن الكريم: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.
فتأسيا بهم -صلوات الله وسلامه عليهم- لا ينبغي أن نستوحش من الخلق، إذا كانت قلوبنا مأنوسة بالله عز وجل.. فقد ورد عن النبي (ص): (الخلق عيال الله، فأحبّ الخلق إلى الله من نفع عيال الله، وأدخل على أهل بيت سروراً).. وسئل (ص): (من أحبّ الناس إلى الله؟.. فقال: أنفع الناس للناس).. والنبي الأكرم (ص) يقول: (أحسن الناس إيماناً؛ أحسنهم خُلقاً، وألطفهم بأهله.. وأنا ألطفكم بأهلي).
فإذن، الجمع هو الكمال، والذي يعيش مع الله -عز وجل- حالات روحية وشاعرية وشعورية على حساب الخلق، هذا إنسان ناقص.. والذي يعيش مع الناس على حساب ذكر الله عز وجل، أيضا هذا إنسان ناقص.. (اليمين والشمال مذلة والطريق الوسطى هي الجادة).
شاه زنان ~
06-27-2010, 03:23 AM
عنوان الزاد : تزاحم الخوطر في الصلاة
إن أغلب الناس يشتكي من مسألة تزاحم الخواطر في الصلوات اليومية.. فالإنسان يتعجب من نفسه في بعض الحالات!.. مثلا: في ليلة القدر، يعيش حالة الإقبال طوال الليل، وعندما يريد أن يصلي صلاة الفجر؛ يرى أن هذه الخواطر تهجم عليه بشكل قهري، فلا يتمكن من التركيز والتوجه.. وفي حال الطواف، يطوف سبعة أشواط، ويقرأ بعض الأدعية البليغة والمؤثرة وبدموع جارية، ولكن عندما يريد أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام، أيضا تأتيه هذه الخواطر.. وكذلك عندما يذهب إلى زيارة المشاهد المشرفة، فإنه يعيش حالة شعورية راقية؛ فإذا أراد أن يصلي ركعتي الزيارة، يعيش ازدحام الخواطر.
إن المسألة عميقة جدا، وعلاج هذه الحالة قد لا يتأتى في سنوات، بل قد يحتاج الأمر إلى مجاهدة طويلة.. ومن أعلى مقامات القرب إلى الله -عز وجل- أن يعيش الإنسان حالة التركيز، عندما يريد أن يصلي.. أو حتى خارج الصلاة، عندما يريد أن يعيش حالة التوجه المركز إلى الله -عز وجل- يكون الأمر بيده.
إن هناك حلولا آنية وحلولا أساسية لهذه المشكلة..
- الحلول الآنية: وهي أن يقسم المصلي خواطره إلى قسمين:
أولاً: الخواطر القهرية: عندما يصلي الإنسان صلاة خاشعة، ويكون بناؤه على عدم السرحان، وتأتيه خاطرة معينة، فإنه يتأذى منها ويصرف نفسه عنها وقهرا.. هذا شيء جيد!.. فالخاطرة أتته، ولكنها لم تستقر في النفس.. وهذا مثل إنسان يصلي في السوق وأمامه المارة، هذا الذي يمر قد يشغله لحظات، ولكن بعد أن يغيب عن مجال البصر، لا يرى له صورة في نفسه.. كما أن هناك أفرادا يمرون أمام المصلي وهو في الحرمين الشريفين والمشاهد المشرفة، فإن صورهم لا تشغله.. كذلك في عالم الخواطر، فإنها تمر مرورا على صفحة القلب، كما أن الأفراد يمرون مرورا أمام العين.
ثانياً: الخواطر الاختيارية.. وكل المشكلة تكمن في هذه الخواطر!.. فالشيطان يعطيك رأس الخيط، وأنت باختيارك تتابع هذه الخاطرة، مثلا: الشيطان يذكرك بمشكلة وقعت بينك وبين إنسان، وقد تكون هذه المشكلة من سنوات طويلة، ونسيت الأمر.. ولكن الإنسان -بعض الأوقات- بسوء اختياره، يتابع الخاطرة السلبية.. فإذا به يكبر وتبدأ معه الخاطرة، ويسلم وتنتهي معه الخاطرة، وقد لا تنتهي!..
فإذن، نحن غير محاسبين على الخواطر اللااختيارية، إنما الحساب على الخواطر الاختيارية.. إذا صلى الإنسان، وطوال الصلاة وهو يدفع ويقارع الخواطر اللااختيارية، ولا يتابع الخيوط؛ هذا الإنسان إنسان خاشع، وصلاته مقبولة، وإن لم يخشع.. وذلك لأنه كان في كل لحظة يأتيه الشيطان بفكرة، وهو يرفض المتابعة والاستسلام للإيحاء الشيطاني، وطوال صلاته وهو في حال عراك وصراع مع إبليس.. هذا الإنسان إنسان محمود، لا يذم على هذا الشرود؛ لأنه كان في حال مجاهدة مع نفسه.
شاه زنان ~
06-27-2010, 03:25 AM
عنوان الزاد : الإستعاذة
إن الآيات القرآنية تدعو الإنسان إلى أن يتخذ الشيطان عدوا، {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}.. وهذه المواجهة لأمرين:
أولاً: حالة نفسية.. إنالإنسان بطبعه يعادي من يعاديه، فهذه طبيعة الإنسان أنه يواجه العداوة بعداوة..
ثانياً: دفعاً للضرر.. فالعدو: تارة يكون عدوا مسالما، لا يريد بك كيدا، ولا يريد أن يوصل لك ضررا؛ فهذا عدو مسلوب التأثير.. وتارة العكس!.. أما الشيطان، فإنه من الأعداء الذين لهم موقف باطني، وموقف نفسي من بني آدم.. وذلك لعدة أسباب، منها:
- العداوة التاريخية: إن هناك عداوة موروثة من عداوته لأبينا آدم (ع)؛ لأن الله –عز وجل- فضله عليه، وأمره بالسجود له.. فإبليس حسد آدم (ع)؛ على سجوده لله عز وجل (إنّ العبد إذا سجد، فأطال السجود، نادى إبليس: يا ويله!.. أطاع وعصيتُ، وسجد وأبيتُ).. فإذن، إن هناك عداوة تاريخية.
- العداوة اليومية: هناك أيضا عداوة أخرى وهي إيماننا وطاعتنا نحن؛ أي هناك عداوة يومية لنا جميعا.. والمرء كلما زاد إيمانا وتألقا، وإصرارا على السير في طريق رب العالمين؛ كلما كثف الشيطان جهوده في صده عن السبيل.
إن الشيطان له مكائده لعامة الناس، ولكن للخواص من الناس أيضا له مكائد متناسبة مع درجاتهم.. و مسألة مواجهة كيده من أعقد مسائل المواجهة، وذلك لأن هذا العدو اللدود، يجمع بين (خاءات) ثلاث:
الخبرة: تلك الخبرة العريقة في عملية الإغواء منذ آلاف السنين، والتي شملت محاولات التعرض لمسيرة الأنبياء والمرسلين (ع) وإن باءت بالفشل بالنسبة لهم.. فمن الطبيعي أن الإنسان أمام هذا الموجود الذي عداوته عريقة وعميقة، وأساليب كيده متنوعة؛ أن يصاب للوهلة الأولى باليأس والإحباط، ويقول: أنا أين وقوة هذا العدو أين؟..
الخفاء:فهو يرانا من حيث لا نراه، قال تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}..
الخبث: إنه يعرف المداخل.. فربما نسي الإنسان هفواته ما قبل البلوغ، وما بعد البلوغ.. ولكن الشيطان منذ اللحظة التي ولد فيها الإنسان وهو معه وهو قرينه، ويعرف نقاط ضعفه.. ولهذا -والله العالم- من حكمة الأذان والإقامة في أذن المولود، من باب دفع الشيطان عن هذا الوليد.. فيكفي أن نعرف من بعض الروايات: (الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق).
فإذن، إن المعادلة غير متكافئة، والمعركة خاسرة.. ولكن الذي يقوي جبهة المؤمن: ثقته بالله عز وجل، واستعاذته الدائمة.. {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}، إن كيد الشيطان في حد نفسه قوي جدا، ولكن أيضا القرآن يصفه بالضعف، لأن الذي يدفع شره عن الإنسان، هو الذي خلقه.. لا ننسى أن الشيطان مخلوق لله عز وجل، وناصيته بيد الله عز وجل؛ فيكفي أن ينهاه ويأمره بعدم الاقتراب من هذا الإنسان المؤمن، الذي يكثر الاستعاذة بالله عز وجل.
إن الاستعاذة حركة قلبية قبل أن تكون حركة لسانية: فيها خوف، وفيها أمل، وفيها فرار، وفيها التجاء.. كل هذه المعاني إذا اجتمعت في قلب إنسان، يصدق عليه بأنه إنسان مستعيذ.. والله -عز وجل- في عون عبده الذي يكثر من الالتجاء به، خاصة قبل الأعمال الصالحة، مثلا: قبل أن يقرأ القرآن الكريم {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}، وقبل كل عمل ذي بال المؤمن يسمي ويستعيذ بالله عز وجل، ليسلم من كيده، وهمزه، ولمزمه، ووسوسته.. عن الرسول الأكرم (ص): (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله؛ فهو أبتر).
شاه زنان ~
06-27-2010, 03:27 AM
عنوان الزاد : علاقة العبد بربه ..
إن لعلاقة العبد بربه صورا مختلفة، فنحن عندما ننظر إلى النور الأبيض من خلال زجاجة معينة، نلاحظ أن هذا اللون الواحد يتحلل إلى ألوان الطيف المعروفة.. وكذلك علاقة الأنس برب العالمين أيضا لها صور، ومن هذه الصور:
- علاقة المحبة: وهي علاقة الحب العميق، فأفضل مثل يضرب للدلالة على العلاقة المتميزة، هي علاقة الأمومة، إذ أن علاقة الأم بولدها هي أرقى علاقة، حتى في الحيوانات الوحشية!.. ولا ننسى أن الأم برمتها: بوجودها الفسيولوجي، والمادي؛ كل ذلك من خلق الله عز وجل، هو الذي أودع هذه المحبة في قلوب الأمهات الرواحم، فكما جعل المودة والرحمة بين الزوجين، جعل الحب في قلب الأم.
وعليه، فإنه من الطبيعي أن المنبع الذي وهب هذا الحب للأم الذي له ما له من المعاني، بإمكانه أيضا أن يقذف درجة أعلى وأعلى من هذا الحب في قلوب عباده المؤمنين.. فالذي جعل المودة الزوجية، والذي جعل مودة الأمومة، ما المانع أن يجعل ما لا يقاس بذلك في قلب المؤمن؟.. ففي حياة النبي وآل النبي (ص) هذه العلاقة كانت تصل إلى درجة أنهم يستبشرون في التضحية في مجال القرب إلى الله عز وجل.. شاء الله -عز وجل- أن يرى الحسين قتيلا وشهيدا، ومن هنا كلما اشتدد عليه البلاء أشرق لونه؛ لأنه يرى أن هذا البلاء في مرضاة رب العالمين، وهو الذي ختم حياته المباركة في المناجاة الحسينية: (إلهي!.. رضا بقضائك، وتسليما لأمرك؛ لا معبود لي سواك).
- علاقة البهت: أي الوجوم والتحير.. فالمؤمن -بعض الأوقات- وهو أمام الكعبة، أو أمام الطبيعة، أو في المشاهد المشرفة؛ يعيش حالة: التحير، والبهت، وانشغال الفؤاد بالعظمة الإلهية، إلى درجة يُسلب فيها الحديث والمناجاة مع رب العالمين.
- علاقة الخوف: لا مانع أبدا أن تجتمع المحبة مع الخوف؛ لا الخوف من الانتقام، فالمحبوب لا ينتقم من حبيبه.. بل الخوف الذي كان يؤرق مضاجع الأولياء طوال التاريخ، ألا وهو: الخوف من مقام رب العالمين، {مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}؛ والخوف من سلب حالة الإقبال، والخوف من وضع حجاب بينه وبين العبد.
- المراقبة المستمرة: أي أن الإنسان يستشعر وجود ربه معه دائما: (ألغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟!.. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟!.. أو متى بَعُدتَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك)؟!.. هو يرى بأن الله أقرب إليه من حبل الوريد ومن نفسه، فيعيش هذه العلاقة المتصلة.. وهذا الإحساس هو نعم الضمانة لعدم الاقتراب من المعصية، هل رأيتم إنسانا في محضر السلطان يعصي أوامره؟.. نعم، قد يعصيه إن غاب عن عينه؛ ولكن إذا كان السلطان في قصر رئاسته، وهذا الإنسان يرى أن السلطان مهيمن على كل حركاته وسكناته، هل يفكر في معصيته؟..
شاه زنان ~
02-08-2011, 12:43 AM
عنوان الزاد : ذكاء المؤمن
إن هناك بعض التعابير الواردة في روايات أهل البيت (ع)، تهز الإنسان من الأعماق.. من هذه التعابير ما ورد عن الإمام الحسن (ع): (ما أعرف أحداً إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه)؛ تعبير فيه الكثير من العتب والمرارة.. ولكن لا ينبغي الاستيحاش كثيرا من هذا التعبير، فالأحمق هو ذلك الذي يفوت على نفسه الفرصة.. مثلا: لو جئت بجوهرة قيمتها الملايين، وقلت لإنسان: أبيعك هذه الجوهرة بدرهم، إذا لم يقبل هذه المعاملة، ألا تصفه بالسفه، وعدم التدبير، حتى لو لم يكن مجنونا؟!.. فالذي يفوت الفرص الذهبية، إنسان قريب من عالم عدم التدبير.
نحن –مع الأسف- في أمورنا الدنيوية، في أعلى درجات: الانتباه، والحذاقة، والالتفات، والذكاء.. وهذه الأيام الناس يصنفون البشر، حسب رصيدهم في البنوك.. ولكن الإمام (ع) يريد أن يقول: كما أن هناك الإنسان الكيس في أمور الدنيا، كذلك هنالك الكيس في أمور الآخرة: فـ(المؤمن كيس فطن).. ومن أعلى صور الكياسة والفطانة، أن يستغل الإنسان وجوده في هذه الحياة الدنيا، ليحقق أعلى وأغلى المكاسب، قال الإمام الهادي (ع): (الدنيا سوق؛ ربح فيها قوم، وخسر آخرون).
إن المؤمن بين وقت وآخر، في خلوة في جوف الليل، أو على ضفة نهر، ينظر إلى علاقته مع ربه: يسأل نفسه: هل رب العالمين راض عنه أم لا؟.. إذا كان يقطع بعدم الرضا؛ عليه أن يغير مجرى حياته.. وإذا لم يقطع بعدم الرضا، بل شك في الرضا؛ أيضا المسألة خطيرة.. فلابد أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، فيقطع نسبيا -حسب الظواهر- برضا رب العالمين عنه، أو بسخطه عليه.
إن البعض لا يخاف من الموت، لأنه قد أدى كل ما عليه من: صلاة، وصوم، وحج، وخمس، ورد مظالم... الخ، فليس هناك ما يخافه.. وهذه حالة راقية جدا في الإنسان، وقد يكون صاحب هذه الحالة من عامة الناس.. وعليه، فإن المؤمن في كل وقت يحاول أن يستقرئ هذه العلاقة؛ ليصل إلى مرحلة النفس المطمئنة التي ترجع إلى الله عز وجل، لا يدخل الجنة فحسب!.. {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}، فأعلى درجات الجنة أن يكون الإنسان في جوار النبي وآله، ومن أصدقاء النبي وآله {وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا}.. طوبى لمن أمضى هذه السنوات في الحياة الدنيا، ليكون من رفقاء الأنبياء والأوصياء، في جنة الخلد!..
شاه زنان ~
02-08-2011, 01:01 AM
عنوان الزاد :الدعوة إلى الله عز وجل
إن البعض يرى بأن مقام الدعوة إلى الله عز وجل، مقام خاص بصنف من الناس، وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلين، وبعد ذلك العلماء والدعاة إلى الله -عز وجل- في كل عصر.. والحال أن مقام الدعوة إلى الله -عز وجل- مقام مفتوح!.. كل منا له دائرة معلومات ومجهولات، حتى أعلم المراجع له دائرة مجهولات.. ووظيفة المؤمن أن ينقل معلوماته إلى من يجهل هذه المعلومات.. وبالتالي، فإنه يصبح من الدعاة إلى الله -عز وجل- بقدر ما يمكن.. مثلا: إنسان يعرف الصلاة بآدابها الظاهرية، ويرى مسلما لا يعرف كيف يصلي، وكما نعلم (الصلاة عمود الدين)؛ هل من المانع أن ينقل هذه المعلومة إلى ذلك الجاهل؟..
فإذن، إن كل واحد منا بحسب دائرة علمه، من الممكن أن يكون من الدعاة إلى الله -عز وجل-.. وهنا بشارة للذين لهم ميل لرقي هذا المنصب: إن الذي يحاول أن ينقل الهدى الإلهي إلى القلوب، على حسب طاقته وعلى حسب قدرته؛ رب العالمين سوف يعينه على مسؤوليته: يشرح صدره للموعظة الباطنية، ولموعظة الغير، ويجري ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.. في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: (تجد الرجل لا يخطئ بلام ولا واو، خطيبا مصعقا؛ ولقلبه أشد ظلمة من الليل المظلم.. وتجد الرجل لا يستطيع أن يعبر عما في قلبه بلسانه؛ وقلبه يزهر كما يزهر المصباح).. من الممكن أن يصل العبد إلى هذه الدرجة، فرب العالمين يعطيه نورا يمشي فيه بين الناس، ويجعل الأثر في كلامه.. نجد من هم من غير ذوي الاختصاص، عندما يتكلم ينفذ كلامه في القلوب؛ وهذا نوع من أنواع المباركة الإلهية.
إن الذي يعمل بما يقول، والذي يحمل هم الأمة، والذي يتألم لحالات المنكر والجهل في الأمة؛ رب العالمين يأخذ في يده في هذا المجال، وهذا أمر مجرب!.. وقبل أن يقوم المؤمن بهذا الدور، لا بأس أن يستغيث بالله –عز وجل- فيقرأ: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي}.. وإذا أراد أن ينصح أحدا بما يخشى معه عدم التأثير، ما المانع أن يصلي ركعتين، ويطلب من الله -عز وجل- أن يلين فؤاد الخلق له؟.. في زيارة أمين الله نقرأ: (فاجعل نفسي: مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك، مولعة بذكرك ودعائك، محبة لصفوة أوليائك، محبوبة في أرضك وسمائك)، فطوبى لمن كان محبوبا في الأرض عند الناس، ومحبوبا في السماء عند رب الناس!..
شاه زنان ~
02-08-2011, 01:36 AM
عنوان الزاد : الذكر في الغفلة
إن من المحطات التي يحتاج فيها المؤمن إلى مراقبة مضاعفة، وإلى تأمل شديد: لحظات ومجالس الغفلة عن ذكر الله عز وجل.. فالإنسان الجالس في بيت من بيوت الله –عز وجل- أو في مشهد من مشاهد أئمة أهل البيت (ع)؛ هو في جو مذكر.. ولهذا عندما يكون في المسجد الحرام، يستحب له النظر إلى الكعبة، حتى لو لم يكن ذاكرا، فالذكر له مزية أخرى.. ولكن المستحب هو النظر إلى الكعبة، في غير صلاة ولا قراءة للقرآن الكريم.. معنى ذلك أن أجواء المسجد الحرام، والمكوث في المسجد الحرام، من موجبات حياة القلب ورقته.
والعكس هو في المجالس التي هي في قبال مجالس الذكر: كمجالس الأعراس، أو اجتماع أهل الباطل على مائدة مثلا، وبتعبير الإمام السجاد (ع): (أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطالين، فبيني وبينهم خليتني)!.. البطال؛ هو الذي ليس له همّ يشغله.. الإنسان أحيانا يمكنه أن يجنب نفسه هذه المجالس، فإذا رأى الجو لاهيا ساهيا؛ يخرج باختياره.. ولكن -بعض الأوقات- يبتلى الإنسان بحرج اجتماعي، فلا يمكنه الخروج بسهولة.. عندئذ المؤمن المراقب يحتاج إلى جو مضاعف من الذكر والالتفات القلبي.
ماذا نعمل في هذه المجالس؟..
أولاً: إن الالتفاتة الإلهية للعبد، هي التفاتة ثابتة في كل الحالات.. رب العالمين كما ينظر إلى المسجد، ينظر إلى مجالس الحرام.. فالأكوان متساوية المثول بين يديه تعالى؛ أي كل ما في الوجود بين يدي الله عز وجل.. رب العالمين ينظر إلى المحراب، وينظر إلى أماكن الحرام؛ بمعنى أن النظر الإلهي، والعين الإلهية المراقبة؛ هي عين واحدة.. وعليه، فإنه لا فرق في هذه الرقابة الإلهية، بين مجالس الطاعة ومجالس المعصية.. وهذه الالتفاتة إلى النظرة الإلهية، من موجبات انضباط العبد.
ثانياً: نحن مأمورون بمضاعفة الذكر في مجالس الغفلة.. فرق بين أن يكون الإنسان ذاكرا مع الطائفين، أو مع الساعين، أو مع الواقفين بأرض عرفة.. وبين أن يطلع رب العالمين على الأرض، ليرى قوما غافلين في مجلس لهو أو حرام، وهناك مؤمن في زاوية، وهو يعيش الذكر الإلهي.. من الممكن أن ينظر رب العالمين إلى هذا العبد نظرة لطف، ويباهي به الملائكة، ومن الممكن أن يأتي الخطاب: يا ملائكتي!.. انظروا إلى عبدي هذا بين الغافلين.. وفي روايات أهل البيت (ع) إشارة إلى هذا التميز، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام): قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): (ذَاكِرُ الله -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الْغَافِلِينَ، كَالْمُقَاتِلِ عَنِ الْفَارِّينَ.. وَالْمُقَاتِلُ عَنِ الْفَارِّينَ، لَهُ الْجَنَّةُ).. إن الذي يقاوم الأعداء ويصمد أمامهم بينما يفر القوم، هذا الإنسان له تميز، وهو بعين الله عز وجل.. كذلك الذاكر بين الغافلين، أيضا له تميز في هذا المجال.
ثالثاً: إن الإنسان بإمكانه أن يشغل نفسه بالذكر الخفي، عن النبي (ص) قال: (خير الذكر الخفيّ).. و(لا إله إلا الله) ذكر شريف، وامتيازه: أن الإنسان يستطيع أن يلهج به دون أن يحرك شفيته.. وبالتالي، فإنه من الممكن أن يعوض هذه الغفلة في مجالس الغافلين، بأن يشغل نفسه بهذا الذكر، دون أن يشعر به أحد؛ لئلا يتهم بالرياء.. فيخرج من ذلك المجلس، وقد كتب في عداد الذاكرين.
شاه زنان ~
02-08-2011, 02:04 AM
عنوان الزاد : الأبدان المتميزة
إن هناك تلازما واضحا بين عالم النفس والبدن: مثلا: الخوف من شؤون القلب، ولكن هذا الخوف ينعكس على البدن، وعندما يخجل الإنسان ينعكس ذلك على الوجه: فإن من كلام العرب المعروف: "حمرة الخجل، وصفرة الوجل"؛ أي الحمرة عند حصول الخجل، والصفرة عند حصول الخوف.
إن في عالم التسافل، النفس المنشغلة بالشهوات، هذه الآثار الشهوية تنعكس على الأبدان.. وفي عالم السير العلوي؛ -السير الملكي لا البهيمي: حيث أن هناك حركة نحو البهائم في الإنسان، وحركة نحو الملائكة.. إن تسافل وتوجه لعالم البهائم؛ فهو أضل من الدواب كما قال تعالى في كتابه الكريم: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا}.. وإن توجه لعالم العلو؛ أصبحت الملائكة خادمة له-.. في عالم العلو الذي ينشغل بالمعاني الإلهية السامية، أيضا جسمه يتفاعل مع حالته القلبية.
ومن هنا نلاحظ أن المؤمن له صفات بدنية: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}.. الجلود تلين والقلب يلين، القلب يذكر والعين تدمع.. فالمؤمن حتى جسمه جسم متميز: عينه ثرية بالدمع، {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا}.. إذن، هذا البدن بدن مبارك عند الله عز وجل.. أحد المؤمنين بعد سنوات كُشف قبره، فوجدوا أن جسده مازال سليما طريا.. إن تحلل جسم الإنسان بعد الموت؛ سنة إلهية.. وبالتالي، فإن رب العالمين إذا منَّ على العبد بعد موته بسلامة بدنه، وبقاء أعضائه سالمة؛ فهذه كرامة، ولطف إلهي بالعبد.
إن الإنسان الذي يدمن طاعة ربه، ويتوجه إلى ربه توجها بليغا مركزا متصلا؛ جسمه لا كجسم سائر الناس.. ومن هنا لا نستبعد آثار البركات في هذا البدن.. بعض المؤمنين عندما يضع يده على بدن مريض، نلاحظ أن الله –عز وجل- يبارك في هذه اللمسة، ويكون لها أثر.
فإذن، إن المؤمن كما أن روحه روح متميزة، روح عالية؛ كذلك لبدنه تميز في عالم الأبدان.. (أرواحكم في الأرواح، ونفوسكم في النفوس)..
شاه زنان ~
02-08-2011, 02:11 AM
عنوان الزاد : القلب حرم الله عز وجل
إن هناك بعض الروايات في المجاميع الروائية، هي رواية في جملة واحدة، ولكن تعد من الروايات المفتاحية الاستراتيجية.. كما أن النبي الأكرم (ص) فتح لعلي بابا من العلم، ينفتح من ذلك الباب ألف باب؛ كذلك بعض روايات أهل البيت (ع) تنفتح منها أبواب كثيرة، فهناك بعض المؤلفات باسم القواعد الفقهية، بعضها مستمدة من روايات قصيرة في هذا المجال.
إن في عالم السير الأنفسي والتهذيب الأخلاقي، عندنا مجموعة من الروايات المفتاحية، التي تنفتح منها أبواب كثيرة.. قد يُفتح للبعض باب واحد، وقد يُفتح للبعض عشرات الأبواب.. فالإنسان كلما ترقى درجة، كلما زاد استيعابه للحقائق الربوبية، عن أمير المؤمنين (ع): (إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها)؛ أي أكثرها استيعابا.. فمن معاني شرح الصدر، أن يتلقى القلب المعاني الإلهية بشكل واضح ومعمق.
إن من الروايات المفتاحية، هذه الرواية التي رويت عن الإمام الصادق (ع): (القلب حرم الله، فلا تُسكن حرم الله غير الله).. هذه الرواية من الروايات البديعة جدا في عامل التكامل، ونستطيع أن نستلهم منها:
أنه بإمكان الإنسان أن يعلق نفسه بأشياء كثيرة، مثلا: حب الزوجة من الإيمان، وحب الأهل من الإيمان، وحب الأوطان من الإيمان؛ ولكن حب الله -عز وجل- لا يشاركه شيء.. وبعبارة أخرى: إن جعلنا القلب بمثابة بناء له طوابق: فإن هناك طابقا لا يدخله أحد إلا هذا العنصر، وهو الحب الإلهي.. أما الطبقات السفلى فليكن لحب: الزوجة، والأولاد، وحب المال؛ ولا مانع من ذلك، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ).. المؤمن يحب أشياء كثيرة في هذه الحياة، ولكن هناك نقطة في القلب، أو جهة في القلب، أو مكان في القلب؛ هذا المكان لا يدخله إلا الله عز وجل.
انظروا تعبير الإمام (ع): (فلا تُسكن حرم الله غير الله)؛ أي لو تركت الأمر دون مجاهدة، من الممكن أن يتسلل حب الله -عز وجل- من القلب.. كما يحدث في بعض البلدان، عندما تخفّ الرقابة على حدودها، يتسلل بعض الأفراد بشكل غير قانوني إلى تلك البلاد.. وكذلك إذا ترك القلب دون مراقبة، قد تتسلل بعض الأمور إلى قلب المؤمن.. وبالتالي، يسكن قلبه حب غير الله عز وجل.
إن الشيء إذا استقر في القلب يصبح أميرا، فالزوجة إذا دخلت القلب -المكان الذي هو وقف لله عز وجل- أصبحت هي التي تأمر وتنهى، وإن كان الأمر يخالف الأمر الإلهي.. عن علي -عليه السلام- قال: (يأتي على الناسِ زمان: همّتُهم بطونهم، وشرفُهُم متاعهم، وقبلتهم نساؤهم، ودينهم دراهمهم ودنانيرهم؛ أولئك شرار الخلق، لا خلاق لهم...).. فالمرأة بعض الأوقات تتحول إلى صنم يعبد، وكذلك العكس الرجل يتحول إلى صنم يُعبد.. قد تأمر المرأة الرجل بأمر خلاف الشريعة، فيرى الرجل نفسه مطيعا لها؛ ومعنى ذلك أن هذا القلب خرج من كونه حرما لله عز وجل.
شاه زنان ~
02-08-2011, 04:10 AM
عنوان الزاد : الوصول إلى الله عز وجل
إن البعض عندما يستمع إلى الأحاديث التي تدور حول صلاة الليل، وقيام الليل، وبركات الأسحار؛ فإنه يرى أن هذه الدرجات درجات عليا جدا لا تنال، وكأنها تحتاج إلى مجاهدة غير متحملة.. والحال: أن الأمر ليس كذلك، فعن أمير المؤمنين (ع): (إذا هبت أمرا فقع فيه، فإن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه)!.. فالذي يرى أن قيام الليل ثقيل عليه، ما عليه إلا أن يجرب، فالإنسان المؤمن له همة عالية!.. أما شدة خوف الإنسان من بعض الأمور المهمة، فإنها تمنعه من الوصول إلى الدرجات العليا.
إن البعض يستثقل القيام في السحر، وذلك بدعوى أن نفس القيام يحتاج إلى مجاهدة، فكيف يتوجه في صلاته، وهو مثقل بالنعاس؟..
إن التوجه والإقبال من باب الاستحسان المطلوب في الفرائض، وفي المستحبات كذلك.. ولكن في خصوص صلاة الليل -والله العالم- نفس قيام الليل، وهجران الفراش؛ فيه ملاك!.. حتى لو صلى الإنسان صلاة الليل وهو مدبر، أو متناعس؛ فإن هذا القيام في حد نفسه أمر مبارك، ورب العالمين يحب هذه الحركة.
إن الإنسان قد ينام -أحيانا- في السجود الأخير من صلاة الليل، إلى أن يستيقظ لصلاة الفجر.. أو لا تحتمل أن الله -عز وجل- يحب هذا المنظر الجميل: مؤمن قام من دون أي إلزام، وألزم نفسه أن يقف بين يدي ربه، فخشع في ركعتين ولم يخشع في الباقي؟.. عن رسول الله (ص): (يا أبا ذر!.. إنّ ربك -عزَّ وجلَّ- يباهي الملائكة بثلاثة نفر ـ إلى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم ـ ورجل قام من الليل فصلّى وحده، فسجد ونام وهو ساجد، فيقول الله تعالى: اُنظروا إلى عبدي!.. روحه عندي وجسده في طاعتي ساجد).
إن هناك عبارة للإمام العسكري (ع)، لو كتب الإنسان هذه العبارة في محراب عبادته؛ فإنها تنعشه وتحركه لصلاة ليل خاشعة!.. عن الإمام العسكري (ع): (إن الوصول إلى الله -عزّ وجل- سفر، لا يدرك إلا بامتطاء الليل).. إنها عبارة راقية جدا!..
أولاً: الوصول سفر.. إن هذه العبارة ترفع الاستيحاش الذي لدى البعض، حيث أن البعض يستوحش من كلمة: السير، والسفر.. ومن التعابير المتعارفة في كلمات أهل البيت (ع) تعبير: "الفرار" (فروا إلى الله)، (السفر إلى الله)، (آه!.. آه!.. من قلة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق).. إلى آخره من هذه التعابير التي تشعر المؤمن أن له سفرا إلى الله عز وجل.
ثانياً: الدابة هي الليل.. يقول الإمام (ع): هذا السفر له دابة، وهذه الدابة متمثلة في الليل.. فالذي ليس له ليل، وليس له قيام ليل؛ من الممكن أن يصل إلى بعض الدرجات.. ولكن هذا بمثابة الإنسان الراجل لا الراكب: فالراجل قد يصل، ولكن بعد جهد جهيد، ومشقة عالية؛ بخلاف الذي يركب الدابة، فيصل إلى المبتغى في أسرع وقت وأيسر حال!.. أما أهل قيام الليل، فإنهم يصلون إلى الله -عز وجل- وصول الراكبين، لا وصول الراجلين.
شاه زنان ~
02-08-2011, 04:35 AM
عنوان الزاد : الإقبال منحه إلهية
إن البعض منا عندما يتشرف بزيارة المشاهد المشرفة، وعلى رأس المشاهد الحرمين الشريفين؛ فإنه يعيش حالة من حالات رقة القلب وإقبال القلب..بحيث عندما يرجع إلى وطنه، وهو بين أهله وأولاده؛ يعيش حالة الغربة، وذلك لأن قلبه متعلق في المكان الذي كان فيه.. هذه حالة إيجابية جميلة، ولكن:
أولاً: إن المؤمن لا ينخدع بهذه الحالات، فهذه حالات موسمية.. لأن ما هو فيه من الإقبال القلبي عند الكعبة؛ هو من شرافة الكعبة.. فهو لم يتغير، ومازال كما كان قبل مجيئه إلى هذه المشاهد المشرفة، من قسوة القلب..وعليه، فإن هذه من شؤون الضيافة، ضيافة رب العالمين في هذه الأماكن المباركة..حيث أن لكل قادم كرامة، والإنسان عندما يزور ملكا من ملوك الدنيا، فإن غاية إكرامه أن يعطيه طعاما شهيا، أو مالا وفيرا.. أما رب العالمين، فإنه لا يعطي الزائر لا الطعام ولا المال، بل يعطيه إقبالا، ويعطيه رقة، ويعطيه دمعة.. حتى أن أقل الناس إيمانا، لا يستبدل هذه الحالة الروحية بشيء.. مثلا: لو قيل له أثناء طوافه، وهو مقبل: اخرج خارج المسجد، وتناول طعاما شهيا!.. فإن هذا الإنسان يضحك على هذا العرض.. إذن حالة الإقبال هذه منحة إلهية، ولطف إلهي.
ثانياً: الفخر كل الفخر أن نستصحب هذه الحالة ونحن في أوطاننا، بعض العلماء يقول: فرق بين الحال، وبين المقام.. ما نحن فيه في المشاهد المشرفة؛ حالات إيجابية.. ولكن عندما تزول هذه الحالة، نعرف أننا لم نصل إلى رتبة ثابتة، وإلى مقام منيع.. المهم أن يكون الإنسان في هذه الحالة، وهو خارج المشاهد.
ثالثاً: إن الزيارة المتميزة هي: الأولى، والأخيرة.. الأولى يغلب عليها الشوق والفرح الشديد، والأخيرة فيها ألم الفراق والبعد.. هذا شوق مقدس، وهذا حزن مقدس.. لذا، فإنه من المناسب في ساعة الفراق، أن نخاطب رب العالمين إن كنا في الكعبة المشرفة، أو أن نخاطب النبي (ص) إن كنا في حرمه الشريف، أو نخاطب ذرية النبي (ص) إن كنا في أحد مشاهدهم المشرفة، أنه: يا مولاي!.. أنا استمتعت بجواركم هذه الليالي والأيام، فلا تسلب مني صالح ما أعطيتني أبدا!.. أي أذقتني حلاوة الأنس، وحلاوة الذكر.. فليس من موجبات الإكرام الكامل، أن تقرن حلاوة الأنس، بمرارة الهجران والبعد.. والكريم لا يتبع إحسانه بهذا الأمر!..
وعليه، فإننا في ساعة الوداع نطلب من رب العالمين، ونقسم عليه بجاه من زرناه، أن لا يسلب منا هذه الحالة.. إذا زرتم هذه المواطن الشريفة، قولوا ما أمرنا به في زيارة الوداع: (بأبي أنتم وأمي ونفسي وأهلي ومالي!.. اجعلوني في همكم، وصيروني في حزبكم، وأدخلوني في شفاعتكم، واذكروني عند ربكم).. إذ أن هناك فرقا بين إنسان يرجع إلى وطنه، ورب العالمين لا يلتفت إليه بعد ذلك.. وبين إنسان يُتبنى ويُتكفل، وهو في وطنه.. فالنبي الذي زاره، أو الإمام الذي زاره؛ ينظر إليه بعين اللطف والكرامة.
شاه زنان ~
02-08-2011, 04:49 AM
عنوان الزاد : استثمار البلاء
إن من الأمور البديهية، أن المؤمن يمر بساعات ابتلاء ومصيبة.. فمنذ أن يولد الإنسان إلى أن يموت، يمر بانتكاسات كثيرة، حتى ملوك الأرض يعيشون هذه الانتكاسات، من منا تستقيم له جميع أمور الحياة؟.. كما يقول الشاعر:
وما كل ما يتمنى المرء يدركه *** تجري الرياح بما لا يشتهي السفن
إن للبلاء أنواعا مختلفة، كما ورد في القرآن الكريم: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.. والذين يصابون بشيء من هذه المصائب يقولون: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.. البعض منا يلهج بهذه العبارة عندما يسمع بموت ولده، أو خسارة أمواله.. ولكن هذه العبارة لا توجب له أنسا، ولا ارتياحا، ولا تخفيفا؛ فالأثر ليس في هذه الكلمة.. {قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ}؛ ليس بمعنى إمرار اللفظ على اللسان، وإنما بمعنى استيعاب هذه الحقيقة: {إِنَّا لِلَّهِ}؛ فالمؤمن عندما يلتفت إلى أن كل ما يملكه هو لله عز وجل، يعلم أن هذا الولد الذي فقده لم يكن ملكا له؛ بل هو ملك لله عز وجل.. عندما أعطاه هذا الولد، كتب في مقدراته: أن هذه الأمانة عنده لعشرين سنة، فمن البداية كانت الأمانة مؤقتة.. وبالتالي، فإن الذي تسلب منه هذه النعم؛ مالا كان أو شخصا يقول: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
إن هذا الولد سلب منه، ولكن ما ضاع إن كان صالحا بارا تقيا.. هو بالموت افترق عنه، ولكن هناك لقاء في عالم البرزخ، وهناك لقاء في عرصات القيامة.. وهب أنه لم يلتق بابنه في عالم البرزخ، ولا في عرصات القيامة.. أو لا تعلم أن الله -عز وجل- يجمع شمل الأسرة المؤمنة في درجات الجنة؟.. هذا اللطف ليس للجميع، إنما يجمع شمل بعض الأسر المتميزة في الحياة الدنيا، إلى درجة أن المؤمن ينظر إلى هذا المجمع والملتقى الأسري، فيفتقد خادمته.. قال رسول الله (ص): (ما من أهل بيت يدخل واحد منهم الجنة، إلا دخلوا أجمعين الجنة، قيل: وكيف ذلك؟.. قال: يشفع فيهم فيُشفّع حتى يبقى الخادم، فيقول: يارب!.. خويدمتي قد كانت تقيني الحرّ والقرّ ، فيُشفّع فيها).
فإذن، إن الانفصال انفصال مؤقت، ولكن انظروا إلى الجائزة الكبرى: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.. الذي فُقد له ولد، هذا الفقد فقد أبدي، ولكن الرحمة الإلهية غامرة له إلى ساعة الموت.. فرق بين أن يفقد الإنسان ألف دينار مثلا، ثم يكسب ألف دينار، فهو رجع إلى ما كان عليه.. وبين إنسان مات أعز ولده، هذا الإنسان ملفوف بغلاف من الرحمة الإلهية الغامرة، ولكن بشرط: الرضا بقضاء الله وقدره أولا، والسليم له ثانيا، ومحبة ما كتب الله -عز وجل- له ثالثا.. ومن هنا سيدتنا زينب (ع) عبرت عن مصيبة أخيها: أنها ما رأت إلا جميلا!..
شاه زنان ~
02-08-2011, 04:56 AM
عنوان الزاد : مراقبة النفس
إن هناك اصطلاحين مأخوذين من القرآن الكريم.. والتفكير في هذه الأمور، قد يكون ثقيلا، فيقول الإنسان: أين نحن وهذه المراتب؟!.. ولكن هل الذي يعيش في الوادي، يحرم عليه أن يتمنى القمم؟.. وهذه القمة هي أمنية الإنسان!..
من يهب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر
إن هنالك نوعين من المراقبة:
أولا: مراقبة النفس.. وهذا مأخوذ من قوله -تعالى- في سورة الحشر: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}؛ أي الإنسان ينظر لنفسه: ما هو موقعه في هذه الحياة، وإلى أين وصل؟.. فأول بياض يظهر على وجه الإنسان، هو من موجبات الحزن والألم؛ لأن هذا نذير الموت وقد بدأ العد التنازلي.. حيث أن متوسط أعمار الأمة حوالي الستين؛ أي الشاب في الثلاثين تكون قد بدأت انتكاسته.
ثانيا: مراقبة الله عز وجل.. وهو اصطلاح أرقى من مراقبة النفس، فالذي في مرحلة المحاسب لنفسه هو في الوادي، وغير المحاسب في القاع؛ أما القمة فهي مراقبة الله عز وجل.. أي أن الإنسان ينسى نفسه، وينظر إلى العين الإلهية المراقبة له دائما، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}، عن الإمام الجواد (ع): (واعلم أنك لن تخلو من عين الله، فانظر كيف تكون)!.. أي يراقب الإنسان وجود الله -عز وجل- لا نفسه.
ما هي النتيجة؟..
إن هذه الآية لطالما قرأناها ولم نتأمل معناها {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.. ما معنى جاهدوا فينا؟.. وما الفرق بين جاهدوا فينا، وجاهدوا في سبيلنا؟.. هناك فرق شاسع بين العبارتين: الذي يقاتل في سبيل الله عز وجل، والذي يكتب في الله: إن كان لله؛ فهو في سبيل الله.. وإن لم يكن لوجه الله؛ فلا سبيل في البين.. أما الأرقى من هذا {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} لا في سبيلنا: أي الذي جهاده في الله عز وجل؛ يريد أن يصل إلى الله، لا في خدمة دينه.
مثلا: ينسى العبد ربه، ويكتب مقالا لصالح الدين، أو يتكلم لصالح الدين؛ هذا جيد ومأجور عليه.. ولكن الأرقى من ذلك أن تكون عين العبد على رب العالمين.. {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا} الآن {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ بدأ من الله عز وجل، وانتهى إلى السبيل.. معنى ذلك والذين جاهدوا في سبيلنا، ليس بالضرورة نهديهم سبلنا.. نعم يعطى الجنة، ولكن في الدنيا قد يتخبط لأنه لا بصيرة له.. وهو مأجور لأنه يعمل في سبيل الله عز وجل؛ ولكن ليس هناك من وعد إلهي، أن يهديه السبيل، نعم: يسدد، ويدعم، ويعطى مزايا.. ولكن الهداية والبصيرة، هي كما يقول القرآن الكريم: للذين جاهدوا فينا.
الخلاصة:
1- أن هناك مراقبة للنفس؛ فالإنسان الذي عينه على قلبه، هذا من مصاديق الذاتية والأنانية المحمودة.. ولكن المؤمن الأرقى تكون عينه في السماء، لا في النفس.
2- أن هناك فرقا بين جاهدوا فينا، وجاهدوا في سبيلنا.
3- أن الوعد بالهداية، مترتب على الذين جاهدوا فينا، لا في سبيلنا.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:02 AM
عنوان الزاد : الجدال و الخلاف
إن من الظواهر التي توجب قسوة القلوب، وإيقاع العداوة بين المؤمنين، وفي العوائل والأسر؛ ظاهرة المجادلة.. حيث أنه يستحيل أن يعيش إنسان مع إنسان مدة من الزمن، ولا يختلف معه في مسألة ما.. ولكن كيف نحتوي هذا الخلاف، ونقلل الصدمات؟..
إن أول أثر من الآثار السلبية للشجار والخلاف، أن صورة الذي نختلف معه لا تفارق أذهاننا.. فبني آدم لا ينسى صورتين: المحبوبات، والمبغوضات.. وهذه الصورة تأتي في الصلاة، فيصلي الإنسان وهو: إما في غزل مع من يحب، أو في معركة مع من لا يهوى.. ومن منا يخلو من أحد هذين الأمرين: إما حب، وإما بغض؛ وكلاهما يصدان الإنسان عن السبيل.. ومن هنا علينا أن نتعلم أدب الخلاف:
القانون الأول: عدم الاعتقاد بحق مطلق.. فالإنسان ليس متصلا بالسماء، ولا يأتيه الوحي؛ لذا عليه أن يحتمل الخطأ، فيقول: أنا على حق، والطرف المقابل قد يكون على حق.. حتى في النقاش العلمي {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}؛ هذا منطق المؤمن: يحتمل الحق مع الطرف المقابل، وإن كان الاحتمال ضعيفا.. لأن الاحتمال الأقوى أن الحق معه، وإلا لما اختلف مع أحد.
القانون الثاني: الحمل على الصحة.. البعض يقول: خصمي يعاندني!.. من أين علم أنه يعانده؟.. هو يرى أن الحق معه!.. لماذا لا يحمل فعل أخيه على محمل واحد، والحال أن الرواية تقول: (إحمل فعل أخيك على سبعين محملا).. أي حاول أن تبرر لأخيك ما يقوم به، حتى أنهم قالوا: لو شممت رائحة الخمر من فم أخيك، قل: لعله تمضمض به ولم يشربه.. إلى هذه الدرجة، يريد الإسلام منا أن نعيش حالة الحصانة في أنفسنا.
إن النبي الأعظم (ص) اختلى مع امرأة، وإذا به يقول للمؤمنين: هذه عمتي.. نعم، المؤمن عليه أن يحتاط في هذا المجال.. مثلا: إذا رأى مؤمنا مع امرأة، فعليه أن يضع احتمال: أن هناك عقدا شرعيا بينهما.. إن من لم يحمل فعل أخيه على الأحسن، قد يقع في يوم من الأيام في ورطة وفي هتك مؤمن، فإذا تورط في هذه العملية، كأنه هدم الكعبة.. ورد عن الإمام الصادق (ع): (المؤمن أشرف من الكعبة).
إذا رأى الإنسان الجو جو جدل ونزاع، فلينسحب من المعركة، ما له وللجدال؟.. ولماذا يحرق نفسه ليعتقد فلان بفكرة ما؟.. روي عن رسول الله (ص): (من ترك المراء وهو مبطل؛ بنى الله له بيتا في ربض الجنة.. ومن ترك المراء وهو محق؛ بنى الله له بيتا في أعلى أجنة).. الذي ينسحب من الجدال بعد أن يتبين أنه على باطل، هذا عمل حسن؛ ولكن الأعظم والأعلى درجة أن يكون الحق معه وينسحب، ويقول للطرف المقابل: أنت افترض أن الحق معك!.. حتى في النقاش العقائدي إذا سئل الإنسان يبين، وإلا فلا.. عن الصادق (ع): (لا عليك إن آنست من أحد خيرا، أن تنبذ إليه الشيء نبذا...)؛ فإذا رأيت الطرف مقبلا استكمل الحديث، وإلا ما لك والدخول في الجدال مع الخصوم؟..
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:03 AM
عنوان الزاد : بلاء المؤمنين
إن هناك شكوى من المؤمنين، الذين هم في طور التكامل.. حيث أن هناك أناسا تهمهم الحياة الدنيا، كما يقول الإمام علي (ع): (كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها).. بعض الناس يأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم.. نعم أغلب الناس يعيش هذه الحالة البهيمية: همه بطنه، وفرجه.. ولكن هناك قسما من الناس، يعبر عنهم القرآن الكريم: {فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا}.
إن الإنسان له هم، وله سبيل في هذه الحياة.. هناك نقطة يحب أن يصل إليها، حياته غير مبعثرة: ليس في السفر على هيئة، وفي الحضر على هيئة.. ليس في الجلوات على هيئة، وفي الخلوات على هيئة.. إنسان يمشي مشية مضطردة ثابتة، وبخطى متوازنة.. هذه مواصفات الإنسان السائر إلى الله -عز وجل-، ولكن هذا الإنسان له بلاء، وهذا البلاء يتمثل في مسألة الإدبار بعد الإقبال: ليلة يصلي صلاة الليل وهو في قمة الخشوع، وليلة يصلي وهو كاره للقيام.. تارة يصلي صلاة الفريضة وهو في قمة الإقبال، وفي فريضة لاحقة يعاني الإدبار.. فالإنسان هو الإنسان، والمسجد هو المسجد؛ ولكنه يعيش إدبارا قلبيا قاسيا، رغم أنه لم يعمل شيئا.. ما هو التعليق على هذه الحالة؟..
أولاً: إن هناك فرقا بين الحالات الشعورية، وبين الموقف الاستراتيجي للإنسان في هذه الحياة.. الإنسان عليه أن يمشي مع ربه مشية متزنة؛ أي لا يقرب المعاصي، ويؤدي واجباته.. وهذه النفحات هي هبات من الله -عز وجل- قد يعطى الهبة وقد لا يعطى الهبة.. مثل الموظف الذي يعمل بكامل نشاطه، ويأخذ راتبه الشهري، وفي بعض الأشهر يعطى العلاوات التشجيعية.. ولكن إذا لم يأخذ العلاوة، هل يستقيل من العمل؟.. قال رسول الله (ص): (إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتَعرَّضوا لها.. فلعلّ أحدكم تصيبه نفحة، فلا يشقى بعدها)؛ إذن هذه النفحات تأتي وتذهب.. وقد ورد عنهم (ع): (أن لنا مع الله حالات، لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل)؛ حالات: أي ليس كل ساعة، وليس في كل يوم.
فإذن، إن الإنسان عليه أن يعمل بوظيفته، ولا تهمه النتائج.. فالإنسان يصلي صلاة لا أفكار فيها، وبعد ذلك أعطي الإقبال أو لم يعط؛ فهذا شأن الرب وليس من شأن العبد.. العبد عليه بالعبودية، ورب العالمين يعمل بمقتضى الربوبية.
ثانياً: إن العبد في بعض الأوقات، لا يقدر هذه النعمة {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.. طالما رأينا في مجالس أهل البيت (ع)، أيام محرم أناسا دموعهم على وجناتهم، ولكن بمجرد أن ينتهي المجلس وإذا بهم يخوضون بما لا يليق لا بالمكان ولا بالحالة التي هم عليها: من المزح، والضحك، و...الخ؛ أليس هذا كفران بنعمة الإقبال؟!.. أو مثلا: إنسان يأتي إلى المسجد فيصلي صلاة خاشعة، وعلى باب المسجد يتكلم كلام هذر وباطل.. فهذا الإنسان من الطبيعي أن لا يعطى حالة الإقبال مرة أخرى؛ لأنه أعطي الهدية ورماها جانبا؛ فهو لا يستحقها.
بإمكان الإنسان بعد أن يصلي مستحبه وواجبه في المسجد، وبعد تفقد الأخوان؛ إذا كان يعيش جو إقبال روحي؛ الذهاب إلى مكان آخر: كالحديقة، أو شاطئ البحر.. ويحاول أن يعيش هذه الحالة؛ حتى يعطى الإقبال مرة أخرى.. إن استمر الإدبار فترة طويلة، يجب أن لا يستسلم، بل عليه أن يقدم الشكوى إلى الله عز وجل.. وخير ما يعبر عن هذه الحالة، كلام الإمام السجاد (ع) في مناجاة الشاكين: (إِلَيْكَ أَشْكُو قَلْباً قاسِياً مَعَ الْوَسْواسِ مُتَقَلِّباً، وَبِالرَّيْنِ وَالطَّبْعِ مُتَلَبِّساً، وَعَيْناً عَنِ الْبُكاءِ مِنْ خَوْفِكَ جامِدَةً...).. إن دعا بهذا الدعاء مرة واحدة بتوجه، يرجى أن ترجع إليه حالة الإقبال مرة أخرى.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:05 AM
عنوان الزاد : العالم الغيبي
إن الحديث هذه الأيام كثر عن تأثير العالم اللامرئي، فبمجرد أن يعيش الإنسان الارتباك في حياته، تجده يبحث عن العوامل الغيبية: الحسد، والعين، والجن القرين، والسحر وغيرها من هذه الأمور.. ولكن ما هو موقف المؤمن الذي هو أعقل العقلاء من هذه المسألة؟!..
القانون الأول: عدم القطع.. القرآن الكريم يقول في آية صريحة: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ}.. فإذن ما لم يقم دليل على الشيء، المؤمن لا يعتقد بذلك الشيء: أرى مطرا فأقول: هذا مطر ينزل، أما لا أرى شيئا وأحكم عليه؛ فهذا أمر باطل.. ومع الأسف بعض الاصطلاحات الأخلاقية، تفهم بشكل مغلوط: يقال: فلان له عين برزخية؛ أي يرى الأشخاص على واقعهم، يراهم حيوانات مثلا، ويدعي أنه على خير {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا}.. والحال أنهم من أخسر الناس!.. من أين له العلم أن هذه العين برزخية، ربما هي عين شيطانية وهو لا يدري؟!.. روي عن الإمام علي (ع): (...أما إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع، فسئل عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه، ثم قال: الباطل أن تقول: سمعت، والحق أن تقول: رأيت).
القانون الثاني: تحصين النفس.. إن الإنسان الذي يريد الذهاب إلى الحج، يأخذ مضادا حيويا، فيحصن نفسه احتياطا قبل أن يأتيه المرض.. وكذلك المؤمن يحصن نفسه بالمعوذات الشرعية؛ لا بالأباطيل، والرسومات التي لم يرد فيها دليل من الشرع.. هناك مجموعة من المعوذات الشرعية، منها:
أولاً: التعويذة الصباحية: (أصبحت اللهم معتصماً بذمامك المنيع، الذي لا يُطاول ولا يحاول، من كلّ طارقٍ وغاشمٍ، من سائر ما خلقت ومن خلقتَ، من خلقك الصامت والناطق في جُنّةٍ من كلّ مخوفٍ بلباسٍ سابغةٍ، ولاء أهل بيت نبيك، محتجزاً من كلّ قاصدٍ إلى أذيةٍ بجدارٍ حصينٍ، الإخلاص في الاعتراف بحقهم والتمسك بحبلهم جميعاً، موقناً أنّ الحق لهم ومعهم وفيهم وبهم، أُوالي من والوا وأُجانب من جانبوا، فأعذني اللهم بهم من شرّ كلّ ما أتقيه يا عظيم!.. حجزت الأعادي عني ببديع السماوات والأرض، إنا جعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً، فأغشيناهم فهم لا يبصرون).. الذي يقرأها بتوجه، حاشا لرب العالمين أن يسلمه للأعداء!.. وإن أسلمه للأعداء لمصلحة؛ فذلك لرفع درجاته.
ثانياً: آية الكرسي: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.. الذي حفظ السماء والأرض، لا يحفظ هذا العبد المستضعف المسكين الفقير؟!.. {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}؛ عاجز أن يرفع من شأن الإنسان، أو من أمره؟.. يا له من سوء فهم!..
ثالثاً: حرز الإمام الرضا (ع): هناك رقعة جيب للإمام الرضا (ع)، وهي من أقوى المعوذات والحجج، تعابيرها واضحة، وليس فيها غموض، ولا أسرار.. (بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله إني أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقياً، أو غير تقي، أخذت بــالله السميع البصير على سمعك وبصرك، لا سلطان لك علي ولا على سمعي، ولا على بصري، ولا على شعري، ولا على بشري، ولا على لحمي، ولا على دمي، ولا على مخي، ولا على عصبي، ولا على عظامي، ولا على مالي، ولا على ما رزقني ربي.. سترت بيني وبينك بستر النبوة، الذي استتر أنبياء الله به من سطوات الجبابرة والفراعنة.. جبرائيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، وإسرافيل عن ورائي، ومحمد -صلى الله عليه وآله- أمامي، والله مطلع عليّ، يمنعك مني ويمنع الشيطان مني.. اللهم!.. لا يغلب جهله أناتك أن يستفزني، ويستخفني.. اللهم!.. إليك التجأت.. اللهم!.. إليك التجأت.. اللهم!.. إليك التجأت).
بعد هذا كله، يسلم الإنسان نفسه للحفيظ العليم!.. نحن عندما نركب الطائرة نقول: يا حفيظ، يا عليم.. أي أنت الحفيظ، وأنت العليم؛ تحفظني من كل الآفات.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:05 AM
عنوان الزاد : العالم الغيبي
إن الحديث هذه الأيام كثر عن تأثير العالم اللامرئي، فبمجرد أن يعيش الإنسان الارتباك في حياته، تجده يبحث عن العوامل الغيبية: الحسد، والعين، والجن القرين، والسحر وغيرها من هذه الأمور.. ولكن ما هو موقف المؤمن الذي هو أعقل العقلاء من هذه المسألة؟!..
القانون الأول: عدم القطع.. القرآن الكريم يقول في آية صريحة: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ}.. فإذن ما لم يقم دليل على الشيء، المؤمن لا يعتقد بذلك الشيء: أرى مطرا فأقول: هذا مطر ينزل، أما لا أرى شيئا وأحكم عليه؛ فهذا أمر باطل.. ومع الأسف بعض الاصطلاحات الأخلاقية، تفهم بشكل مغلوط: يقال: فلان له عين برزخية؛ أي يرى الأشخاص على واقعهم، يراهم حيوانات مثلا، ويدعي أنه على خير {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا}.. والحال أنهم من أخسر الناس!.. من أين له العلم أن هذه العين برزخية، ربما هي عين شيطانية وهو لا يدري؟!.. روي عن الإمام علي (ع): (...أما إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع، فسئل عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه، ثم قال: الباطل أن تقول: سمعت، والحق أن تقول: رأيت).
القانون الثاني: تحصين النفس.. إن الإنسان الذي يريد الذهاب إلى الحج، يأخذ مضادا حيويا، فيحصن نفسه احتياطا قبل أن يأتيه المرض.. وكذلك المؤمن يحصن نفسه بالمعوذات الشرعية؛ لا بالأباطيل، والرسومات التي لم يرد فيها دليل من الشرع.. هناك مجموعة من المعوذات الشرعية، منها:
أولاً: التعويذة الصباحية: (أصبحت اللهم معتصماً بذمامك المنيع، الذي لا يُطاول ولا يحاول، من كلّ طارقٍ وغاشمٍ، من سائر ما خلقت ومن خلقتَ، من خلقك الصامت والناطق في جُنّةٍ من كلّ مخوفٍ بلباسٍ سابغةٍ، ولاء أهل بيت نبيك، محتجزاً من كلّ قاصدٍ إلى أذيةٍ بجدارٍ حصينٍ، الإخلاص في الاعتراف بحقهم والتمسك بحبلهم جميعاً، موقناً أنّ الحق لهم ومعهم وفيهم وبهم، أُوالي من والوا وأُجانب من جانبوا، فأعذني اللهم بهم من شرّ كلّ ما أتقيه يا عظيم!.. حجزت الأعادي عني ببديع السماوات والأرض، إنا جعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً، فأغشيناهم فهم لا يبصرون).. الذي يقرأها بتوجه، حاشا لرب العالمين أن يسلمه للأعداء!.. وإن أسلمه للأعداء لمصلحة؛ فذلك لرفع درجاته.
ثانياً: آية الكرسي: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.. الذي حفظ السماء والأرض، لا يحفظ هذا العبد المستضعف المسكين الفقير؟!.. {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}؛ عاجز أن يرفع من شأن الإنسان، أو من أمره؟.. يا له من سوء فهم!..
ثالثاً: حرز الإمام الرضا (ع): هناك رقعة جيب للإمام الرضا (ع)، وهي من أقوى المعوذات والحجج، تعابيرها واضحة، وليس فيها غموض، ولا أسرار.. (بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله إني أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقياً، أو غير تقي، أخذت بــالله السميع البصير على سمعك وبصرك، لا سلطان لك علي ولا على سمعي، ولا على بصري، ولا على شعري، ولا على بشري، ولا على لحمي، ولا على دمي، ولا على مخي، ولا على عصبي، ولا على عظامي، ولا على مالي، ولا على ما رزقني ربي.. سترت بيني وبينك بستر النبوة، الذي استتر أنبياء الله به من سطوات الجبابرة والفراعنة.. جبرائيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، وإسرافيل عن ورائي، ومحمد -صلى الله عليه وآله- أمامي، والله مطلع عليّ، يمنعك مني ويمنع الشيطان مني.. اللهم!.. لا يغلب جهله أناتك أن يستفزني، ويستخفني.. اللهم!.. إليك التجأت.. اللهم!.. إليك التجأت.. اللهم!.. إليك التجأت).
بعد هذا كله، يسلم الإنسان نفسه للحفيظ العليم!.. نحن عندما نركب الطائرة نقول: يا حفيظ، يا عليم.. أي أنت الحفيظ، وأنت العليم؛ تحفظني من كل الآفات.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:06 AM
عنوان الزاد : الكم و الكيف في العبادات
إن هناك رواية مروية عن الإمام الجواد (ع)، هذه الرواية من الروايات المتشابهة.. كما أن القرآن فيه محكم ومتشابه، كذلك في أحاديث أهل البيت (ع)، هناك روايات قد لا تفهم حق الفهم.. فالذي يسمع الرواية قد يخطئ الفهم.. يقول الإمام الجواد (ع): (القصد إلى الله بالقلوب، أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال).. لماذا هذه الرواية من المتشابهات؟..
إن البعض قد يقول: هذه رواية جدا مريحة: لماذا أتعب نفسي، وأصلي صلاة الليل؛ يكفي أن أستلقي على الفراش، وأفكر في ملكوت السموات والأرض ساعة أو نصف ساعة؛ ثم أنام.. آتي إلى المسجد، وأجلس في زاوية، ولا داعي أن أصلى تحية المسجد، ولا نوافل؛ يكفي أن يكون قلبي مشغولا بالله عز وجل.. لماذا أتعب نفسي كما كان النبي والأئمة (ع) يتعبون أنفسهم؟.. قد يتذرع الإنسان بهذه الذريعة، فيشغله ذلك عن الله عز وجل.. وبالمقابل هناك عكس هذا الصنف، يتكلم مع الآخرين، وبيده سبحة، ولا يلتفت إلى ما يقال له؛ ألا يقتضي الأدب الإصغاء للمتكلم؟!..
إن الصنف الأول يعتمد على الذكر القلبي، والثاني يعتمد على العمل الجوارحي.. هناك قاعدة عامة تقول: (اليمين والشمال مضلّة، والطريق الوسطى هي الجادة).. لا إفراط ولا تفريط، الجاهل إما مفرِط أو مفرِّط: يوم يعتزل الناس ويوم يقبل، يوم سخي ويوم بخيل، يوم بشوش ويوم حاد المزاج.. بينما المؤمن يجمع بين التكليفين: بين العمل الجوانحي، والعمل الجوارحي.. إن كان ولابد يقدم العمل الجوارحي، ولكنه يجعله محببا لنفسه.. لو دار الأمر بين صلاة ليل ساعة ليس فيها توجه، وبين شفع ووتر فيهما كمال التوجه، تقول الرواية: (ركعتان مقتصدتان؛ خير من قيام ليلة والقلب ساه).
فإذن، إن الحل هو أن نجمع بين الكم والكيف، وعند التعارض بين الكم والكيف؛ نقدم الكيف على الكم، لا أن نلغي الكم أساسا؛ بل نطعم الكم بكيف راق.. من منا يخلو من مشكلة: إما في نفسه، أو في أهله، أو في ماله، أو في مجتمعه؟!.. كل واحد منا مصاب في إحدى هذه الحلقات، (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ).. والأئمة (ع) كذلك كان ينتابهم الضيق، فيأتي أحدهم إلى المسجد، ويصلي لله -عز وجل- ركعتين، ويقول: (إلهي!.. عبدك ببابك، يا محسن أتاك المسيء، وقد أمرت المحسن أن يتجاوز عن المسيء، فأنت المحسن وأنا المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بكريم ما عندك يا كريم)!.. المؤمن كذلك يتشبه بقادته (ع): يتطيب ويذهب إلى المسجد، ويقف أمام بيت الله عز وجل، ويقول تلك الكلمات التي تفتح له الحجب، ويأخذ زاوية من المسجد، وخاصة في غير أوقات الصلاة، بعنوان: الالتجاء إلى المسجد.. ويتكلم مع رب العالمين، ولا داعي لذكر الحاجة، يقول فقط: علمك بحالي، يغني عن سؤالي.. ثم فلينظر كيف يأتيه الفرج!..
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:10 AM
عنوان الزاد : الوسوسة المباركة
تنتاب الناس حالة من الوسواس في الطهارة والنجاسة وغيرها من الأمور، وهذه ظاهرة غير صحية، بل هي حالة مرضية.. فالذين يبتلون بهذا المرض، أول ما يسلب منهم الخشوع؛ حيث أن الإنسان يصلي وعينه على انتقاض وضوئه مثلا.. ولكن هناك وسوسة من نوع راق، كم من الجميل أن يبتلى كل الناس بهذه الوسوسة الطاهرة المباركة!.. ولأنها وسوسة طاهرة ومباركة، فإن عامة الناس لا يفكرون في هذا الأمر؛ فضلا عن الوسوسة فيها.. هذا الوسواس الطيب، هو أن يعيش الإنسان هاجس الخوف من عدم رضا الله -عز وجل- عنه.. في كل يوم، وفي كل لحظة، يحتمل أن الله غير راض عنه.
أولاً: هذه وسوسة عقلائية منطقية، هل هناك إنسان لديه شهادة اعتماد: أن الله قد رضي عنه؟.. من منا يعيش هذه الحالة؟.. ما الذي جعل الأنبياء والأوصياء والأولياء طوال التاريخ، يضجون إلى الله طلبا لرضاه؟.. القرآن الكريم يصف يوم القيامة بهذا الوصف {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}.. أحدنا غاية ما يراه هذا الجلد، حتى أن أحدنا لم ير قلبه إلى الآن؛ فهو لم ير جوفه المادي، فهل رأى جوفه المعنوي؟.. بل ما رأى شكله؛ منذ أن خلق الإنسان إلى أن يموت لا يرى نفسه، وما يراه هي عبارة عن صور ومرايا.. الناس تراه، أما هو لا يرى نفسه؛ فكيف بباطنه؟.. مادام الباطن مخفيا، فإذن لابد من هذه الوسوسة المباركة.
ثانياً: إن هناك بعض المعايير والموازين هي بمثابة مختبر، يجب أن يدخل الإنسان نفسه في هذا المختبر؛ إن خرج الختم: أن النتيجة إيجابية؛ فهو على خير.. مضمون الرواية: (إذا أردت أن تعرف مالك عند الله، فانظر ما لله عندك)؛ أي ما وزن الله عندك؟.. يعلم وزن الله عند الإنسان في مواطن، منها:
1- عند الحلال والحرام.. مثلا: في بعض الأوقات يتزوج الإنسان امرأة، ويعلم بعد سنوات من الإنجاب، أنها محرمة عليه.. -كأن يتزوجها في عدة الغير مثلا- فينسحب بكل طواعية.
2- عند المكروهات والمستحبات.. رب العالمين جعل مساحة للترقي، فللخروج من النار عليك بالحلال والحرام.. أما إذا كنت تريد أن تترقى؛ فعليك بالمستحبات.
3- عند تمني الموت.. من شكا أنه على خير، فليختبر نفسه، كما ورد في سورة الجمعة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.. لأن الذي لا يتمنى الموت، عنده خلل في البين.. من منا مستعد أن ينقل من دار عمارة إلى دار خراب!..
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:12 AM
عنوان الزاد : جهاد النفس 1
إن بيت المؤمن لا يخلو من مكتبة مصغرة، فيها تفسير الميزان، ودورة حديثية فيما يتعلق بأهل البيت (ع)، وشرح لنهج البلاغة.. ومن الكتب التي لا يخلو منها بيت مؤمن، كتاب "وسائل الشيعة" للحر العاملي، المدفون بجوار الرضا (ع).. هذا الإنسان له حق كبير على الإمامية بكتابه هذا.. هو يطرح في هذا الكتاب فروع الدين، ولكن عندما يصل إلى بحث الجهاد، وهو من فروع الدين، له باب بعنوان: "جهاد النفس" مع أنه بحث أخلاقي، ولكن الحر العاملي جعله في كتابه الفقهي.
إلا أن صاحب "وسائل الشيعة" يعنون كل باب غالبا بما يراه هو حكما في ذلك الباب، من: وجوب، وحرمة، وصحة، وبطلان، وشرطية، و... حتى قيل: أن عناوين الوسائل، يمكن اعتبارها فتاوى للحر العاملي.. والجميل في باب "جهاد النفس" أنه جعل هذا البحث الأخلاقي في سياق الأبحاث الفقهية، وعنونه بـ"باب وجوبه".. إنه تعبير جميل جدا!.. كأن هناك شبهة وجوب جهاد النفس، كنا نسمع عن جهاد النفس كمنقبة أخلاقية: أي من شاء يجاهد نفسه؛ ولكن صاحب الكتاب عبر عنه بعنوان: "وجوبه".
والله العالم ما في قلب المؤلف: أن الشيء إذا توقف على أمر، فإنه يجب عليه.. مثلا: في موسم الحج، الإنسان يدفع عن نفسه المرض باستخدام: العقاقير، والمضادات، والتطعيم.. إذا كان يعلم أنه معرض للإصابة بهذا المرض، وهذا التطعيم يجنبه المرض؛ ألا يحتمل أن هذا التطعيم واجب: عقلا، أو شرعا، أو طبيا.. العقل يقول: أن هذا المرض لا يدفع إلا بهذه المقدمة، فهذه المقدمة لازمة.. مثلا: هناك طفل على السطح، والحريق سوف يصل إليه.. ألا يقول العقل: أنه يجب وضع سلم؟!.. فوضع السلم هنا واجب، حتى يصعد وينزل الطفل، وينجيه من الحريق!.. وكأنه -والله العالم- صاحب الكتاب يعتقد أن الخلاص من الذنوب، يتوقف على جهاد النفس.. فالذي لا يجاهد نفسه، ولا يراقبها؛ فإنه يقع في الزلل.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:13 AM
عنوان الزاد : جهاد النفس 2
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن رسول اللّه -صلى اللّه عليه وآله- بعث سرية، فلما رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقي عليهم الجهاد الأكبر.. قيل: يا رسول اللّه، وما الجهاد الأكبر؟.. قال: جهاد النفس.. ثم قال: أفضل الجهاد، من جاهد نفسه التي بين جنبيه).. ما هو السر في أن الجهاد الأصغر، أطلق على الحرب، وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر؟..
أولاً: في الجهاد الأصغر العدو واضح المعالم، بإمكان الإنسان أن يشخصه ويهرب منه أو يهاجمه.. أما الجهاد الأكبر: فهو مع موجودين غير مرئيين: النفس، والشيطان؛ {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}.. وكذلك النفس التي هي أقرب الأشياء إلينا؛ من عرف نفسه فقد عرف ربه، فإننا لا نراها.. ليس هناك إنسان رأى وجهه حقيقة؛ فكيف بنفسه؟!..
ثانياً: الجهاد الأصغر جهاد مقطعي.. حروب الجاهلية كانت حروبا طويلة؛ كحرب البسوس وغيرها.. أما حروب الإسلام، وحتى حروبنا هذه الأيام، هي حروب مقطعية تستمر لعدة أيام وتنتهي.. بينما جهاد النفس، الجهاد الأكبر يبدأ مع البلوغ، وينتهي بموت الإنسان.. إذ لابد للإنسان في كل يوم من مجاهدة نفسه.. فإذن، إن مجاهدة النفس فيها أمد طويل، ومحاربة الأعداء فيها أمد قصير.
ثالثاً: الحرب مع العدو إذا كانت شرعية، فالنتيجة هي إحدى الحسنيين: إما الظفر، وإما الشهادة في سبيل الله.. بينما الحرب مع النفس: إذا خسر الإنسان في هذه المعركة؛ معنى ذلك خسران الأبد.. فالذي يهزم أمام العدو هو شهيد، أما الذي يهزم في معركة النفس، ليس فقط ليس بشهيد؛ بل إنسان خاسر، وإنسان مسكين وفقير.
فإذن، إن الفروق مخيفة جداً بين الجهاد الأكبر، والجهاد الأصغر!..
ما معنى جهاد النفس؟..
أي أن يقف الإنسان أمام النفس في مرحلتين:
المرحلة الأولى لازمة.. الجهاد الواجب: أن يقف الإنسان أمام نفسه في الحرام، فإذا قيل له: هذا لا يجوز، يقف فوراً ودون تردد!.. من يشتكي النساء السافرات هذا على شفا حفرة، والحال أن المؤمن يجب أن لا تأتيه الشهوة أصلا، ولا يرى أن هناك أي إغراء في البين.. فإذن، إن المؤمن أمام الحرام لا يحتاج إلى جهاد.
المرحلة الثانية مفضلة.. الجهاد المفضل: بعض الأوقات الإنسان تنازعه نفسه إلى أشياء محللة، ولكن ذلك قد يقلل من شأنه، مثلا: إنسان جالس على مائدة، وأمامه طعام قليل؛ وهناك طعام شهي على بعد مسافة؛ فهل المؤمن يمد يده إلى ذلك الطعام؟.. والحال أنه يستحب للمؤمن أن يأكل مما يليه.. هذا أيضا جهاد نفس!.. (وضع خوان من فالوذج بين يدي أمير المؤمنين (ع)، فوجأ (أي ضرب) بإصبعه حتى بلغ أسفله، ثم سلّها ولم يأخذ منه شيئاً، وتلمّظ (أي تذوّق) بإصبعه وقال: طيب طيب وما هو بحرام، ولكن أكره أن أُعوّد نفسي بما لم أُعوّدها).. وعن الصادق (ع): (أنه مدّ يده إليه ثم قبضها، فقيل له في ذلك، فقال: ذكرت رسول الله (ص) أنه لم يأكله، فكرهت أن آكله).. وعن الصادق (ع) أنه قالوا له: تحرّمه؟.. قال: (لا، ولكن أخشى أن تتوق إليه نفسي)، ثم تلا: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}.. فإذن، لا بأس بالمؤمن بين وقت وآخر، أن يحرم نفسه اللذة المحللة؛ ليستولي على نفسه كاملة.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:14 AM
عنوان الزاد : وجوب جهاد النفس
إن الحر العاملي له بحث حول جهاد النفس، وأول ما يلفت في هذا البحث كلمة "وجوبه"؛ فالقضية أعظم من أن يكون الأمر في دائرة الاستحباب المجرد.. عن الصادق (ع): (مَنْ لم يكن له واعظ من قلبه، وزاجر من نفسه، ولم يكن له قرين مرشد؛ استمكن عدوّه من عنقه).
إن هذه الرواية رواية إستراتيجية؛ فهي تجزم أن المؤمن يحتاج إلى جبهتين داخليتين معه.. إذ أن البعض، ينتظر دائما الواعظ الخارجي.. مثلا: هو في الوطن حالته جيدة، أما إذا سافر يتقاعس ويتقهقر.. أمام الناس في حالة، وفي بيته في حالة أخرى.. قال الباقر (ع): (أما إنّ أصحاب محمد (ص) قالوا: يا رسول الله!.. نخاف علينا النفاق، فقال: ولِمَ تخافون ذلك؟.. قالوا: إذا كنا عندك فذكّرتنا ورغّبتنا؛ وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا، حتى كأننا نعاين الآخرة والجنّة والنار ونحن عندك.. فإذا خرجنا من عندك، ودخلنا هذه البيوت، وشممنا الأولاد، ورأينا العيال والأهل، يكاد أن نحوّل عن الحالة التي كنا عليها عندك، حتى كأنّا لم نكن على شيء.. أفتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا؟.. فقال لهم رسول الله (ص): كلا إنّ هذه خطوات الشيطان، فيرغّبكم في الدنيا، والله لو تدوموا على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله، لخلق الله خلقا حتى يذنبوا ثم يستغفروا لله؛ فيغفر لهم).
أولاً: واعظ من قلبه، وزاجر من نفسه: إن المشكلة تكمن في ارتباط الإنسان بواعظ خارجي.. تصوروا إنسانا رئته تالفة، ويعيش على كبسولة الأوكسجين؛ هذا الإنسان حياته في خطر، إذا انتهى الأوكسجين، وانقطع عنه المدد.. والحل الصحيح هو في وضع جهاز داخله بشكل دائم، يعطيه الأوكسجين.. المؤمن كذلك يحتاج إلى رئة باطنية، تذكره بما ينبغي تذكيره به!.. وهذا ممكن {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}؛ فرب العالمين جعل في الإنسان هذا النداء، ولكن بسوء الفعل، هذا الجهاز يموت مع الأيام.
ثانياً: ولم يكن له قرين مرشد: الأخ المؤمن الصالح، نعم العون على سبيل الآخرة!.. فنحن قد نستمتع بمزايا آخر الزمان، ولكن هناك آفات لهذا الزمان، لدرجة أن البعض يتمنى لو أنه خلق في القرون الماضية، حيث الناس يعيشون البساطة في الحياة.. عن رسول الله (ص): (قل ما يوجد في أمتي في آخر الزمان: درهم حلال، وأخ يوثق به).. فإذا ظفر الإنسان بقرين مرشد، فليعرف قدره.. الرواية ما قالت: من لم يكن له واعظ أو قرين؛ بل قالت: (واعظ وقرين)؛ أي كلاهما لازمان.
ثالثاً: استمكن عدوه من عنقه.. يحق للإنسان أن ينتابه الخوف الشديد من هذه الآية: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ}!.. فالإنسان يدخل في دورة تدريبية لمدة سنة، يصبح ماهرا في مجال عمله.. فكيف بالشيطان الذي تمرن على إغواء الناس، منذ آلاف السنين، منذ خلق أبينا آدم (ع)، {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا}.. الخ من المضامين المخيفة، التي تحتاج إلى استعاذة، {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا}.. فالشيطان عندما يتحكم في البعض، يجره من عنقه.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:16 AM
عنوان الزاد : الأمل بالله تعالى
إن هناك مجموعة روايات في تراث أهل البيت (ع) تنهى عن أن نؤمل الآخرين، أو نعتمد الغير.. هنا يأتي السؤال: إذن كيف نسعى في قضاء حوائجنا؟.. الجواب: إن رب العالمين جعل من المؤمنين وحتى غير المؤمنين وسائط لقضاء الحوائج.. ورد في الحديث: (إن الله ليؤيد هذا الدين، بالرجل الفاجر)؛ أي قد يجعل من أفعال بعض الناس سبباً لنصرة هذا الدين، وإن لم يكن قصد ذلك الشخص هذه النصرة.. مثل أبرهة الذي أراد أن يهدم الكعبة، فخلد الله -عز وجل- هذه الواقعة في القرآن، في سورة الفيل، وجعلها عبرة لأولي الألباب.
إن هذه الرواية من أروع الروايات التي تتحدث عن الأمل بالله عز وجل، عن أبي عبد الله (ع) أنه قرأ في بعض الكتب:
(أن الله -تبارك وتعالى- يقول: وعزتي!.. وجلالي!.. ومجدي!.. وارتفاعي على عرشي!.. لأقطعن أمل كل مؤمل غيري باليأس، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس، ولأنحينه من قربي، ولأبعدنه من وصلي.. أيؤمل غيري في الشدائد؛ والشدائد بيدي؟.. ويرجو غيري، ويقرع بالفكر باب غيري؛ وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني؟!..
فمن الذي أملني لنوائبه؛ فقطعته دونها؟.. ومن الذي رجاني لعظيمة؛ فقطعت رجاءه مني؟.. جعلت آمال عبادي عندي محفوظة، فلم يرضوا بحفظي.. وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي، وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي؛ فلم يثقوا بقولي.. ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي، أنه لا يملك كشفها أحد غيري، إلا من بعد إذني؟!..
فما لي أراه لاهيا عني: أعطيته بجودي، ما لم يسألني.. ثم انتزعته عنه، فلم يسألني رده، وسأل غيري.. أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة، ثم أسأل فلا أجيب سائلي: أبخيل أنا فيبخلني عبدي؟.. أو ليس الجود والكرم لي؟.. أوَ ليس العفو والرحمة بيدي؟.. أوَ ليس أنا محل الآمال، فمن يقطعها دوني؟.. أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟..
فلو أن أهل سماواتي، وأهل أرضي أملوا جميعا، ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع؛ ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة.. وكيف ينقص ملك أنا قيمه؟!.. فيا بؤسا للقاطنين من رحمتي!.. ويا بؤسا لمن عصاني، ولم يراقبني)!..
ولكن هل معنى ذلك: أنه عند المرض لا نراجع الطبيب؟.. وعند المشكلة لا نراجع أهل الحل والعقد؟..
لا، نراجع ولكن بعنوان الطريقية، لا الهدفية.. فهذه أدوات بيد الله عز وجل.. بعض المستشفيات والعيادات تضع لوحا مكتوبا عليه: الدواء عندنا، والشفاء عند الله عز وجل.. فمن الذي جعل الخواص في هذه الأدوية؟..
إن المؤمن رغم سعيه لقضاء الحوائج، ومراجعته للطبيب؛ تكون عينه على الله عز وجل.. والشاهد على ذلك، هذا الدعاء الذي يقرأ للرزق: (يا سبب من لا سبب له!.. ويا مسبب كل ذي سبب!.. ويا سبب كل ذي سبب!.. ويا مسبب الأسباب من غير سبب!.. سبب لي سببا لن أستطيع له طلبا!.. صلّ على محمد وآل محمد، وأغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، يا حي يا قيوم)!.. اللهم قلت في كتابك المنزل: {وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ}!.. فمن فضلك أسأل، ومن عطيتك أسأل، ومن يدك الملأ أسأل.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:18 AM
عنوان الزاد : لزوم الحلم مع العلم
إن هناك تأكيدا في روايات أهل البيت (ع) على صفتين، إذا لم يقترنا ببعضهما البعض، يبدو أن هاتين المزيتين لا قيمة لهما.. ألا وهما: العلم، والحلم!..
إن الإنسان الحليم، هو الذي له حالة من سعة الصدر.. مثلا: عندما نرمي بحجر في حوض صغير، الماء ينقلب رأسا على عقب، فالترسبات التي في القاع: من الطحالب، والتراب، وغيرها؛ تصعد إلى السطح.. أما هذه الحجر إذا رميت في البحر، فإنها لا تحرك ساكنا، فقط تحدث أمواجا بسيطة وتختفي.. البعض صدره ونفسه مثل البحر، لا تزعزعه العواصف؛ كالجبل الراسخ.. (المؤمن كالجبل الراسخ، لا تحركه العواصف).
إن أحد الصالحين كان يمشي، وإذا بأحدهم يصب الرماد على رأسه؛ فشكر الله -عز وجل- على هذه النعمة، قال: أنا أستحق النار، ولكن رب العالمين صالحني بالرماد.. وقيل لأحد العلماء: أن هناك لغطا حولك، قال: الكلام عبارة عن أمواج في الهواء لا تؤذي؛ أما الذي يؤذي حقيقة، فهو الضرب.. انظروا إلى سعة صدر المؤمن!..
إن الذين عندهم خدم في البيوت، فليتدبروا في هذه الرواية: (بعث الصادق (ع) غلاماً له في حاجة، فأبطأ.. فخرج الصادق (ع) على أثره لمّا أبطأ، فوجده نائماً؛ فجلس عند رأسه يروّحه حتى انتبه.. فلمّا انتبه قال له الصادق (ع): يا فلان!.. والله ما ذلك لك، تنام الليل والنهار!.. لك الليل، ولنا منك النهار).. هذا أسلوب أئمتنا (ع)، ونحن منتسبون إلى جعفر الصادق (ع)، فيجب أن نقتدي به (ع).
وعليه، فإن الإنسان الذي لا يكون حليما، علاجه أن يتحلم؛ أي يتظاهر بالحلم.. فتكلف الملكة بعد فترة، يثمر الملكة نفسها.. هذه الرواية من غرائب روايات أهل البيت (ع)، -إذا رأى الإنسان رواية غريبة على عقله، لا يسارع إلى تكذيبها، ردوا علمه إلى أهله-!.
قال الصادق (عليه السلام): (إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان، فيقولان للسفيه منهما: قلت وقلت، وأنت أهل لما قلت، ستجزى بما قلت.. ويقولان للحليم منهما: صبرت وحلمت، سيغفر الله لك، إن أتممت ذلك.. قال: فإن رد الحليم عليه، ارتفع الملكان).. والدليل على ذلك، أن الإنسان المذنب وهو يرتكب الذنب، يشعر بتأنيب الضمير، وتجري دموعه.. فالذي أجرى الدمع حركة الباطن، ولا يستبعد وجود ملك من هذا القبيل.
فإذن، إن رب العالمين يقوي المؤمن في اجتياز المنازعة.. قد يقول قائل: أنا رأيت أمامي منكرا كيف أسكت؟.. عليه أن يعلم أن هناك فرقا بين أن تكون النصيحة لله محضا، وبين أن تكون انتقاما للنفس!.. نحن بعض الأوقات نخلط بين الأمرين، وإن كانت النصيحة صحيحة؛ ولكنها تكون طلبا للذاتية والإنية.. وفرق بين العالمين!..
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:19 AM
عنوان الزاد : صفات التوبة النصوح
إن هناك توبة نصوحا، وهناك توبة ما دون التوبة النصوح.. أما التوبة النصوح؛ فهي أرقى من التوبة المتعارفة.. وللتوبة النصوح معالم، منها:
- الزهد في الحرام.. من آثار التوبة النصوح، أن يزهد الإنسان في الحرام، الذي كان يرتكبه.. تارة الإنسان يرتكب الحرام، ويتركه حقيقة؛ ولكن نفسه تنازعه للحرام بين وقت وآخر.. مثلا: إنسان مدمن على مشاهدة الصور المحرمة، إذ أن بعض المحرمات في فترة من الفترات، تتحول إلى مادة مخدرة.. لهذا تراه في شهر رمضان، يفطر على الحرام.
وعليه، فإن التوبة النصوح ليس أن يترك الإنسان الحرام، وكل يوم يعزم على كسر التوبة، ولكن يجاهد نفسه.. هذا الإنسان في يوم من الأيام، سيرتكب الحرام في ساعة ضعف.. لأنه وهو في بلاد المسلمين، قد يأتيه الحافز للتوبة، وعدم كسرها.. أما في أول سفرة للبلاد الأجنبية، وهو في الفندق، في منتصف الليل؛ حيث لا رقيب ولا حسيب، ما الذي يعصمه في ذلك المكان؟.. فالشيطان عندما يرى العدو في مكان آمن، ينتظر كي يستفرد به في يوم من الأيام، حيث لا معين له ولا ناصر.
فإذن، من معالم هذه التوبة أن يزهد الإنسان في الحرام، الذي كان يرتكبه، وعلامة الزهد واضحة: البعض عندما يرتكب حراما في بلد معينة، يكره تلك البلدة، لا يذهب إليها حتى لا يذكره بالحرام.. والسوق الذي وقع فيه الحرام، لا يدخله اشمئزازا منه.. بشر الحافي هكذا كانت توبته، ركض وراء الإمام حافيا؛ لأنه عاش الانقلاب الباطني.
- الباطن كالظاهر.. أغلب الناس ظواهرهم خير من بواطنهم.. نعم، أحدنا: سمعته، وظاهره، وكلام الناس عنه؛ أكثر من الواقع.. قال الصادق (ع): (التوبة النصوح: أن يكون باطن الرجل كظاهره وأفضل).. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لو تكاشفتم لما تدافنتم)؛ أي لو علم بعضكم سريرة بعض؛ لاستثقل تشييع جنازته ودفنه.. أمير المؤمنين (ع) يذكر موصفات قياسية للتوبة الصحيحة: سمع الإمام علي (عليه السلام) رجلاً يقول: أستغفر الله!.. فقال:
(أتدري ما الاستغفار؟.. الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على معان ستة، وهي:
1- الندم على ما مضى من المعصية أبداً.
2- العزم على ترك المعصية أبداً.
3- أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم، حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة.
4- أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها.
5- أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ لحم جديد.
6- أن تذيق الجلد ألم الطاعة، كما أذقته حلاوة المعصية.. فعند ذلك تقول: أستغفر الله).
نحن على الأقل نأخذ الشقين الأولين: الندم على ما مضى، والعزم على عدم العود في المستقبل.. إذا كان الأمر كذلك، يصدق على الإنسان أنه تاب عن ذنبه، ثم يؤدي حق المخلوقين.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:22 AM
عنوان الزاد : لزوم محاسبة النفس
إن هناك بابا في كتاب الوسائل بعنوان "محاسبة النفس" والروايات فيها كثيرة جدا، والتعابير أيضا قوية.. منها: عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال: (ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم: فإن عمل حسناً استزاد الله منها، وإن عمل سيئاً استغفر الله وتاب منها)؛ أي ليس من زمرتنا، وليس هذا الذي يدعي الانتساب إلينا.. إنّ ادعاء الانتساب إلى جهة شيء، وأن تقبله تلك الجهة شيء آخر.. عادة في البيع والشراء هناك إيجاب وقبول، وفي الزواج هناك إيجاب وقبول.. ونحن أيضا في علاقتنا بأهل البيت (ع) لابد من إيجاب وقبول، إذ لابد من قبولهم لنا.
كيف نحاسب أنفسنا؟..
أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) أبا ذر فقال: (يا أبا ذر!.. حاسب نفسك قبل أن تحاسب، فإنه أهون لحسابك غداً، وزن نفسك قبل أن تُوزن، وتجهز للعرض الأكبر يوم تعرض لا تخفى على الله خافية).. وقال (صلى الله عليه وآله): (يا أبا ذر!.. لا يكون الرجل من المتقين، حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملبسه، أمِن حلال أو من حرام.. يا أبا ذر!.. من لم يُبال من أين اكتسب المال؛ لم يبال الله من أين أدخله النار).. الحساب في الدنيا قابل للتدارك!.. فالإنسان من الممكن أن يوفر على نفسه عقبات طويلة جدا في المحشر باتصال هاتفي، مثلا: إنسان ظلم مؤمنا في الحياة الدنيا، من السهل أن يعتذر ممن أساء إليه.. هناك أناس لهم نفس سمحة في الدنيا، بإمكان الإنسان أن يرضيهم بكلمة واحدة.
أحدهم يقول: بعد سنواتٍ طويلة من الاستئجار، جمعت مبلغا من المال لأشتري به بيتاً، وضعت هذا المال في مكانٍ ما في المنزل، يقول: جاءنا ضيف محترم، وإذا بهذا الضيف يعرف أن هناك مالا، فأخذ المال كله وذهب.. يقول: اتفقنا على ألا نكشف سره لأحد، والسبب أن هذا إنسان من عائلة وجيهة، فلو ذهب ماء وجهه لذهب ماء وجه العائلة.. ومرت الأيام، يقول: كنت في حرم الرضا -عليه السلام- وإذا بهذا السارق أمام عيني، وكأنه كان يريد أن يذهب إلى الحج، قال: يا فلان!.. أتبرئني الذمة وأشار إلى الحادثة، قلت له: اذهب، لا أريد أن أراك، لماذا؟.. يقول: لا أريد أن أراك وفي وجهك ذل الاعتذار، سامحتك، وأنا لا أتحمل أن أراك بهذا الشكل، وأنت خجل مني.. عبد من عباد الله، لا يتحمل خجل سارق سرق كل ما عنده، فكيف برأفته جل جلاله وعم نواله؟!.. فإذن، لو بقي الأمر إلى عرصات القيامة، كم كان سيأخذ من حسنات هذا السارق؟!.. ولكن بموقف بسيط أبراه الذمة وانتهى الأمر!..
ثم قال (صلى الله عليه وآله): (يا أبا ذر!.. لا يكون الرجل من المتقين، حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملبسه، أمِن حلال أو من حرام.. يا أبا ذر!.. من لم يُبال من أين اكتسب المال؛ لم يبال الله من أين أدخله النار).. هذه الأيام المطاعم التي تبيع السحت ولحم الخنزير، والسوائل التي تحتوي على بعض المواد الكحولية كثيرة جدا وفي سوق المسلمين، فالمؤمن دقيق جدا في كل تصرفاته، ويعلم ماذا يأكل وماذا يشرب!..
آلية عملية للمحاسبة: هناك محاسبة، ومشارطة، ومعاقبة: المحاسبة تكون آخر الليل، أو بعد كل فريضة يحاسب الإنسان نفسه: من الظهر إلى المغرب، ومن المغرب إلى الصباح.. ثم المشارطة أول الصباح، يخرج من المنزل ثم يشترط على نفسه: أن لا يغتاب، وأن لا يهذر، وأن لا ينظر.. وإذا خالف الأوامر؛ يعاقب نفسه بتكاليف الشريعة.. مثلا: هو ليس من أهل الليل، إذا أكل أكل مشتبها يقول: لابد أن أقوم الليل هذه الليلة، أو يؤدب نفسه بحضور صلاة الجماعة شهرا صباحا، فيهجر لذيذ الفراش.. يا لها من معاقبة جميلة!.. هذه معاقبة حسنة، وفي طريق التكامل، وليست معاقبة توجب له انهيارا عصبيا كأن يترك الطعام مثلا.. أو يعاقب نفسه شهرا كاملا، فيؤدي كل المستحبات والنوافل اليومية.. هذه عقوبة جيدة للنفس!.. أو يقضي ما في ذمته من الصوم الواجب، أو يصوم صوما مستحبا.. فإذن، هناك مشارطة أول الصباح، ومحاسبة آخر الليل، ومعاقبة إن رأى في نفسه خللا.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:27 AM
عنوان الزاد : لولا هؤلاء لأنزلت عذابي
ورد في الخبر عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: (إن الله إذا أراد أن يُصيب أهل الأرض بعذاب قال: لولا الذين يتحابون بجلالي، ويعمرون مساجدي، ويستغفرون بالأسحار، لأنزلت عذابي).. فرب العالمين كان دأبه في الأمم البائدة، تعجيل العقوبات في الدنيا قبل الآخرة، ومن تلك العقوبات أنه قلب مدن قوم لوط عاليها سافلها، وأرسل الجراد والقمل على بني إسرائيل، وكان هناك ما يسمى بالمسخ قردة وخنازير، وغير ذلك من أنواع العذاب، الذي كان ينزل على الأمم السابقة.. ولكن رب العالمين ببركة نبي الرحمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} رفع العذاب المعجل عن هذه الأمة {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
وكذلك من أسباب رفع العذاب:
المتحابون في الله.. هذا العنوان عنوان نادر جدا!.. فالذي يحب أحدا في الله، لابد أن يلغي منه كل امتيازاته الدنيوية، ولا يُبقي إلا إيمانه.. إذا وصل إلى هذه المرحلة من الحب؛ هذا يسمى الحب في الله.. وإلا فإن الدواعي الخفية، هي من موجبات عدم انطباق هذا العنوان.. وهنيئا لمن كان له في الدنيا أخ واحد يحبه في الله عز وجل!.. البعض في عيد الغدير يتآخى مع الآخرين، التآخي لا بأس به، ولكن المؤمن لا يتآخى مع إنسان قد يعطله يوم القيامة، إذا كان بمستوى غير متميز.
يعمرون المساجد.. عبارة عمارة المساجد لها معنيان: العمارة البنائية: أي إنسان يبني مسجدا، أو يساهم في بناء مسجد.. وهناك عمارة في الحضور: أي أن يأتي الإنسان إلى المسجد، فيكون وجوده في المسجد عنصر جذب للآخرين.. مثلا: بعض أساتذة الكليات في الجامعة، عندما يأتي ليصلي في المسجد؛ فإن طلابه في الجامعة يتأسون به!.. هذا الإنسان بمجيئه للمسجد يعد من عمار بيوت الله عز وجل.. في بعض البلاد التي فيها صبغة عشائرية، عندما يأتي شيخ العشيرة للمسجد، يكون سببا في حضور أبناء العشيرة إلى المسجد، وهكذا!.. ولعله -والله العالم- الإنسان الذي يكون عنصر جذب لعشرات الأشخاص، يكون أقرب لمعنى عمارة المسجد، من الإنسان الذي يساهم في بناء المسجد.. فالذين يلتزمون الحضور إلى المساجد، وقد يكون منهم أساتذة في الجامعات، يأتون إلى المسجد قبل الصلاة بفترة، ويخرجون بعد الصلاة بفترة؛ لأنهم يعيشون لذة الأنس في بيوت الله عز وجل.. قال رسول الله (ص): (سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله) وذكر منهم: (رجل قلبه معلق بالمساجد).. هؤلاء إذا لم يُصلّوا في اليوم والليلة فرضا واحدا في المسجد؛ فإنهم يعيشون حالة الاختناق!..
ويستغفرون في الأسحار.. المؤمن يحاول أن يكون من الذاكرين في أوقات الغفلة.. ورد في الخبر عن أمير المؤمنين (ع): (ذاكرُ الله في الغافلين؛ كالمقاتل عن الفاريّن.. والمقاتل عن الفارين؛ نزوله الجنة).. في بعض الأوقات، يضطر المؤمن للذهاب إلى الأسواق التي يغلب عليها ما يغلب من الأصوات، فيتعمد ذكر الله -عز وجل- في ذلك المكان المليء بالغافلين.. رب العالمين يطلع على هذا السوق، فيرى الناس في لهو ولعب وحرام، وهذا العبد يمشي وفي قلبه ذكر الله عز وجل.. حتى أن البعض عندما يرى صور الفساد، فإنه يبكي بين يدي الله -عز وجل- لما يراه من المنكر؛ هذا كم وزنه عند الله عز وجل!.. وفي الأعراس كذلك يغلب جو من الاسترسال، ولكن المؤمن يتعمد أن يكون ذاكرا في هذه الأجواء.. وأيضا ساعة السحر، من الساعات التي يغفل عنها الكثيرون.. حيث أن الكل يهدأ في آخر الليل، ولا يستيقظ إلا الأولياء الصالحون، {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.. مؤمن يقوم من نومته في جوف الليل، ويتضرع إلى الله عز وجل، ويستغفر لأربعين مؤمنا، والأربعون كلهم نائمون.. هذا المنظر كم هو جميل عند الله عز وجل!..
إلهي حليف الحب في الليل ساهر *** يناجي ويدعو والمغفل يهجع
هذه مناظر ملفتة في عالم الوجود، هذه المناظر تسجل، وتعرض في شاشات عملاقة يوم القيامة!..
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:29 AM
عنوان الزاد : زيادة التحفظ عند زيادة العمر
إن صاحب كتاب "الوسائل" الحر العاملي، قد يضمن بعض آرائه من خلال عناوين الأبواب.. هناك باب في هذا الكتاب بعنوان: "باب وجوب زيادة التحفظ عند زيادة العمر خصوصا أبناء الأربعين فصاعدا"، لماذا سن الأربعين؟.. لأن من بلغ سن الأربعين أخذ بلغته من الدنيا: قل من لم يتزوج إلى هذا السن، ومن تزوج قل من لم يحصل على ذرية في هذا السن.. أي أنه جرب متع الدنيا: زوجة، وذرية، ووظيفة.. البعض بعد سن الأربعين يتقاعد، ويتفرغ لآخرته، فمن لم يغتنم الفرصة بعد الأربعين، هذا الإنسان ملوم!..
قال الصادق (ع): (إنّ العبد لفى فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة.. فإذا بلغ أربعين سنة، أوحى الله -عزّ وجلّ- إلى ملائكته: إنّى قد عمّرت عبدى عمرا (وقد طال) فغلظّا، وشدّدا، وتحفظّا.. واكتبا عليه: قليل عمله وكثيره، وصغيره وكبيره).. ليس معنى ذلك أن يفعل ما يشاء، إنما حساب الشاب يختلف عن حساب الإنسان في سن الأربعين.. ذلك السن الذي ينبغي حسابه حسابا شديدا، ولهذا ورد في رواية عن أبي جعفر (عليه السلام): (إذا أتت على الرجل أربعون سنة قيل له: خذ حذرك؛ فإنك غير معذور.. وليس ابن الأربعين أحق بالحذر من ابن العشرين، فإنّ الذي يطلبهما واحد وليس براقد.. فاعمل لما أمامك من الهول، ودع عنك فضول القول).
إن الإنسان الجاهل قد يعذر في بعض الأمور، طبعا ليس الجاهل المقصر، لأن الجاهل المقصر هو في دائرة العتاب واللوم، عندما يسأل الله -تعالى- العبد يوم القيامة ويقول له: لم فعلت هذا؟.. يقول العبد: يا إلهي لم أكن أعلم، يقول الله -تعالى- له: هلا تعلمت!.. في زماننا هذا الجاهل القاصر قليل جدا، لأن كل شيء يلهج بآيات الله -عز وجل- من المساجد، إلى التلفاز، إلى الانترنت.. وبالتالي، فإن الجهل للبعض عذر، وطيش الشباب للبعض الآخر عذر.. الشاب المراهق قد يعذر، ولكن إذا بلغ من العمر ما بلغ؛ فإن محاسبته تكون أشد.
قال الصادق (ع): (ثلاث من لم يكن فيه؛ فلا يرجى خيره أبداً: من لم يخش الله في الغيب، ولم يرعو عند الشيب، ولم يستح من العيب).. من هو المتقي؟.. البعض يقول: أن المتقي هو الذي لو سلطت عليه كاميرا خفية من الصباح إلى المساء، وهو لا يدري، وقيل له: نريد أن نعرض ذلك الشريط على الفضائيات.. فإذا رفض يكون إنسانا غير متق، ولكن إذا قال: ليس هناك ما أخاف منه؛ فهذا الإنسان هو الذي يخشى الله في الغيب.. هذا الجدار ارتفع بينه ويبن الناس، هل أثر في علاقته برب العالمين؟.. مشكلتنا أننا نتعامل مع الله وقد جعلناه أهون الناظرين إلينا، فلا نرعى حرمة الرب في الخلوات.
إن سن الأربعين هي سن المؤاخذة، ولكن هناك بعض الأمور هي بحكم سن الأربعين، أي من موجبات تغليظ المحاسبة والمراقبة على العبد، منها: أن يكون المرء ابنا لوالدين صالحين، أو أن يكون في بلاد المسلمين، أو جارا للمسجد، أو عنده حسينية، أو مسجد؛ هذه الأمور تدخل في الحساب.. وكذلك التوفيقات العبادية، مثلا: إنسان ذهب للحج، ومن الأسبوع الأول ارتكب مخالفة.. أو في شهر رمضان حيث أجواء الرحمة، فيعصي ربه ليلا.. أو في محرم وصفر أيام عزاء أهل البيت (ع)، يرتكب الحرام.. هذا الإنسان من الممكن أن لا يسامح!..
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:38 AM
عنوان الزاد : أنواع الظلم
قال الباقر (ع): (الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله، وظلم لا يغفره الله، وظلم لا يَدَعه.. فأما الظلم الذي لا يغفره الله -عز وجل- فالشرك بالله.. وأما الظلم الذي يغفره الله -عز وجلّ- فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله عزّ وجلّ.. وأما الظلم الذي لا يدعه الله -عزّ وجلّ- فالمداينة بين العباد، وقال عليه السلام: ما يأخذ المظلوم من دين الظالم، أكثر مما يأخذ الظالم من دنيا المظلوم).
إن رب العالمين يصف الإنسان في القرآن الكريم بأنه ظلوم، وكفار، وجهول: {إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا}.. هذه طبيعة النفس الإنسانية، أنها إذا لم تراقب: تظلم، وتميل إلى الظلم، {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا}، {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.
أولاً: الظلم الذي لا يُغفر: وهو الشرك، والكفر، والنفاق، ولذلك قال: {إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}.
ثانياً: الظلم الذي يُغفر: ظلم بين الإنسان، وبين الله تعالى.. مثلا: الاستماع للغناء، أو النظر إلى الحرام؛ هو بهذه الحركة لم يؤذ أحدا، رغم أن العمل سيء وقبيح؛ ولكن أمره سهل: فبمجرد سجدة واحدة بين يدي الله -عز وجل- بانقطاع وإنابة يقول فيها: {لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}؛ لا يبقى عليه وزر.. بشرط الندامة، والعزم على عدم العود.. أي ليس كل يوم يستمع وينظر، وآخر الليل يستغفر؛ وإلا فإنه يعد من المستهزئين.. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}.
ثالثاً: الظلم الذي لا يدعه: المداينة بين العباد؛ أي هناك غير.. والغير قد تكون زوجة، وقد يكون شريكا، أو زميلا، وقد يكون والدين.. عن وهب بن عبد ربه، وعبيد الله الطويل، عن شيخ من النخع قال: قلت للباقر (ع): إني لم أزل والياً منذ زمن الحجاج إلى يومي هذا، فهل لي من توبة؟.. فسكت، ثم أعدت عليه فقال: (لا، حتى تؤدي إلى كل ذي حق حقه).
إن المداينة بين العباد قد يكون ظاهرها الديون، ولكن لنعمم الحكم: مثلا: إنسان آذى إنسانا، أو أسقطه من أعين الناس، من الممكن أن يدخل في هذا القسم.. فلو أن هناك إنسانا أخطأ بحق خادمته، وتسبب في قطع رزقها، ورجوعها إلى بلادها، ماذا يعمل ليكفر عما جنت يداها؟.. النبي الأكرم (ص) يطرح صيغة من صيغ الحل: يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): (من ظلم أحدا وفاته، فليستغفر الله له؛ فإنه كفارة له)، وقد يكون -والله العالم- في القضايا المالية، لابد من رد المظالم، ومجهول المالك.
أما الذين في ذمتهم أموال للغير، مثلا: عندما كان صغيرا سرق بعض الحلوى من البقالة، فإن هذا حله بأن يرد المظالم للعباد، أو يدفع عن مجهول المالك.. والفرق بين رد المظالم، ومجهول المالك، هو أن رد المظالم: أي شيء تم أخذه من شخص موجود؛ فيرد إليه.. أما إذا كان غير موجود؛ فيدفع للمجتهد بعنوان: "مجهول المالك" وهو يتصرف بذلك.. قال النبي الأكرم (ص): (من اقتطع مال مؤمن غصبا بغير حقه، لم يزل الله معرضا عنه ماقتاً لأعماله التي يعملها من البر والخير لا يثبتها في حسناته، حتى يتوب ويرد المال الذي أخذه إلى صاحبه).. المسألة ليست أن في ذمته حقا للناس، إنما المسألة أن الله يعرض عنه، ويمقته.. إنسان يعيش في هذه الدنيا، ورب العالمين يمقته، هذه مصيبة كبيرة!.. والإنسان الذي في ذمته مال للآخرين، عندما يتصدق فإن قسما من هذه الصدقة هي للمظلوم.. لهذا يقول في الرواية: لا يقبل الله البر من هذا الإنسان، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}؛ هذه أيضا مشكلة: أي حقوق العباد؛ هي من موانع قبول الأعمال.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:40 AM
عنوان الزاد : الورع عن محارم الله عزوجل
إن هناك روايات في تراث أهل البيت (ع) تتحدث عن الورع، يقول الصادق (ع): (ليس منّا ولا كرامة، من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون، وفيهم من هو أورع منه)؛ أي المتوقع من أحدنا أن يكون أورع الناس في البيئة التي يعيش فيها.
وهنالك رواية أخرى، تدل على أن هذا الورع مطلوب منا جميعا، يقول الصادق (ع): (كونوا دعاة لنا صامتين، أو بغير ألسنتكم، ليروا منكم: الورع، والاجتهاد، والصلاة، والخير.. فإن ذلك داعية).. ليس المراد الاجتهاد في الحوزات العلمية، بل بمعنى بذل الجهد فيما يرضي الله عز وجل.. فإن ذلك داعية؛ والداعية لها معنيان: أي يدعو الناس من خلال تصرفاته وأفعاله، أو أن هذا الإنسان يعتبر داعية بشهادة الإمام الصادق (ع).
ما هو الورع؟..
إن الورع والعدالة هذه صفات راسخة في النفس.. مثلا: إنسان في الوطن ملتزم، وفي السفر لا يلتزم؛ هذا الإنسان لا يسمى عادلا، هذا يميل مع الهواء، أتباع كل ناعق: أجواء الوطن أجواء متدينة يتدين، وعندما يسافر يترك التدين.. في شهر رمضان يلتزم، وبعد شهر رمضان يخرج من هذا الجو.
إن الورع عن محارم الله -عز وجل- له نظير في حياتنا، ولكن ليس في محارم الله؛ بل الورع في حفظ الصحة.. مثلا: الناس تقاطع الدول التي فيها أوبئة، ولا تذهب إليها.. فنحن في الجانب الصحي من أورع الناس!.. أما عندما يصل الأمر إلى الجانب الديني؛ فإن الورع يقل!.. فالمؤمن الورع: يدقق جيدا قبل تناول الطعام، حيث يذهب للذي هو أتقى وأورع!.. وكذلك يمتنع عن النظر إلى زميلته في العمل، أو التحدث إليها، وإن لم يكن ذلك بريبة.. حيث أن مقتضى الورع ترك الحديث معها، ومقتضى الورع عدم الأكل من أي مكان وإن كان في سوق المسلمين.. وكذلك يعمل بالاحتياط في كل موارد الاحتياط الوجوبي.
فإذن، إن الورع هو حالة من حالات الحساسية الشديدة تجاه الحرام.. البعض في الوضوء والطهارة يوسوس، أما في المحرمات لا يوسوس.. (من حام حول الحمى، أوشك أن يقع فيه)؛ الحمى الحدود، والذي يمشي حول حقل الألغام، يوشك أن يقع فيه.. فالمؤمن دائما يأخذ مساحة احتياطية؛ لئلا يقع في الحرام.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:42 AM
عنوان الزاد : الغضب
إن هنالك رواية عن الصادق (ع) تقول: (قال الحواريون لعيسى بن مريم (ع): يا معلّم الخير، أعلمنا أيّ الأشياء أشدّ؟!.. فقال: أشدّ الأشياء غضب الله عزّ وجلّ، قالوا: فبِمَ يُتقى غضب الله، قال: بأن لا تغضبوا، قالوا: وما بدء الغضب؟.. قال: الكبر، والتجبر، ومحقرة الناس).. قال تعالى في كتابه الكريم: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}.. هذا الإحساس إذا دخل في قلب إنسان يشله عن الحركة.. بعض الناس عندما يبالغ في المعصية، إذا أراد أن يقوم بالطاعة، يشعر بأن هناك من يثبط همته.. هؤلاء من الممكن أن يقال: أن الله غضب عليهم.
(قالوا: فبِمَ يُتقى غضب الله، قال: بأن لا تغضبوا، قالوا: وما بدء الغضب؟.. قال: الكبر، والتجبر، ومحقرة الناس).. أحدنا في مجال العمل تراه منضبطا، لأن هناك رؤساء أعلى منه درجة، فلا يتطاول عليهم.. أما غضبنا فإنه عادة يكون على من تحت أيدينا: الولد، والزوجة، والأرحام؛ لأن هذا منشؤه كما قال عيسى (ع): (محقرة الناس)؛ أي أننا لا نرى للإنسان وزنا أمامنا.. والحال أن الحديث الشريف يقول: (إِيَّاكَ وَظُلْمَ مَنْ لا يَجِدُ عَلَيْكَ نَاصِراً إِلا الله)!.. ومن مصاديق ذلك خدم البيوت؛ وكأنهم إيماء وعبيد، وهنا تكمن الخطورة!.. بعض الخلافات الزوجية، وبعض الانتكاسات العائلية، وبعض الأمراض التي تصيب الأسر؛ هي بسبب ظلمهم لهؤلاء.
كيف نعالج الغضب علاجا فوريا؟..
إن العلاج الأساسي، هو: أن لا نحتقر أحدا من عباد الله، فالمؤمن يرى كل الناس خيرا منه؛ لأنه لا يعلم عاقبة أمره.. فالإنسان الذي يحتقره، هذا الفاسق الفاجر؛ قد تختم له بالعاقبة الحميدة، كالحر بن يزيد!.. وهو المؤمن الصالح، قد تختم له بسوء العاقبة!.. المؤمن يقول: كل الناس خير مني!.. هذا الحل الأساسي.. أما الحل الفوري:
أولاً: عدم اتخاذ أي قرار في ساعة الغضب.. إذا غضب المؤمن لا يتكلم شيئا، بل يقول لتلك النفس الأمارة، وللشيطان الذي معه: سوف أؤدبه وأنتقم منه بعد ساعة.. فلو صبر لمدة ساعة، هذه النار سوف تنطفئ، وسوف يهدأ.. وإن لم تنطفئ لن تبقى بنفس المستوى.. لهذا أغلب الذين يغضبون، بعد أيام يعتذرون؛ لأنهم كانوا تحت حكومة إبليس.. إذن، عندما يهدأ الإنسان ويجلس مع نفسه، عندئذ يقرر أن يغضب أو لا يغضب.
ثانياً: تغيير الحالة التي يكون عليها أثناء الغضب.. من أفضل مسكنات الغضب، الوضوء وصب الماء على الوجه، وخاصة إذا أردفه بالحديث المعروف: (من أحدث ولم يتوضأ؛ فقد جفاني.. ومن أحدث وتوضأ، ولم يصلي؛ فقد جفاني.. ومن أحدث وتوضأ وصلى، ولم يدعني؛ فقد جفاني.. ومن أحدث وتوضأ وصلى ودعاني، ولم أجبه؛ فقد جفوته، ولست بربٍ جافٍ).. توضأ وصلى ودعا، هذا دور العبد.. أما دور الرب، فهو أن يستجيب لعبده.. تصور إنسانا حال الغضب توضأ وصلى ودعا، هل يبقى من غضبه شيء؟..
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:44 AM
عنوان الزاد : رب العالمين يعذر عباده في مواطن
إن هناك حديثا يقول: (تخلقوا بأخلاق الله)!.. هذا الحديث أرقى من آية: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.. العبد تارة مأمور أن يتخلق بأخلاق النبي (ص)، وتارة يتخلق بأخلاق الله عز وجل!.. الرب رحيم، المؤمن أيضاً رحيم.. ومن أخلاق الله -ولولا هذا الخلق، لأصابنا الضرر جميعا- أنه يعذر عباده في مواطن.. قال رسول الله (ص): (رُفع عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطرّوا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة).
الخطأ.. من مصاديقه: إنسان أخطأ في قيادة سيارته، فأودى بحياة إنسان.. هذا لا يقتص منه، إنما عليه دفع الدية.
النسيان.. مثلا: إنسان في شهر رمضان، أو في قضاء الصوم، يشرب الماء ويأكل نسيانا.. ليس من تكليف الآخرين لفت نظره لذلك، لعل هذا من ألطاف رب العالمين ببعض العباد الجائعين الصائمين، فينسيهم الصيام ليأكلوا ويشربوا.
وما أكرهوا عليه.. يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}، أي إذا هدد الإنسان بالقتل كي يكفر مثلا؛ فإنه يعذر في ذلك.
ما لا يعلمون.. أي الجهل، ولكن القدر المتيقن من الجهل العذري: هو الجهل القصوري، لا التقصيري.. مثلا: إنسان أقدم على أمر ما، رغم أنه قرأ الرسالة العملية، لكنه لم ير هذه المسألة أو جهلها؛ أي أنه كان في مظان التعلم، ولكن لم يفهم.
الحسد.. الحسد من الموبقات، فإنه يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب.. أما الحسد القلبي؛ فإنه لا يؤاخذ عليه الإنسان، فهو ليس مطالبا أن لا يحسد بقلبه، ولكن المهم أن لا يظهر هذا الحسد من خلال كلمة، أو فعل.
الطيرة.. أي التشاؤم، بعض الناس يتطير بالأمور الباطلة.. عن الرسول (ص): (إذا تطيرت فامض، وإذا ظننت فلا تقض، وإذا حسدت فلا تبغ)؛ أي إذا أصابتك الطيرة والتشاؤم، فلا تكترث، وامض لما أنت عازم عليه.
التفكر في الوسوسة في الخلق.. بعض الناس يشك في عقيدته، يصل به الأمر أن الشيطان يلعب بباطنه، إلى درجة أنه يتلفظ في قلبه بألفاظ كفرية.. أيضا هذا لا يؤاخذ عليه الإنسان ما لم ينطق بشفة، أي مادام حديثا باطنيا.. والمعصومون (ع) طيبوا خواطر المؤمنين، فقالوا: لا يخلو منه إنسان، عن النبي (ص): (ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الظن، والطيرة، والحسد.. وسأحدثك بالمخرج من ذلك: إذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا تطيرت فلا ترجع).
إن المؤمن في فترة من حياته، قد تطول وقد تقصر، تمر عليه حالات من هذا القبيل: وسوسة في المبدأ، أو في المعاد، أو في التوحيد،... الخ.. ما دام الإنسان متأذيا من هذه الحالة، فالأمر جيد.. بعض المراجع في الرسالة العملية يعرّف الرياء، فيقول: هو أن يعمل العبد عملا لغير الله عز وجل، ولكن لو جاءته هواجس ريائية، فإن ذلك لا يضر بإخلاص النية.. مثلا: إنسان جاء إلى المسجد ليصلي لله عز وجل، ولكن الشيطان يقول له: أنت جئت لتري نفسك للآخرين!.. إذا كان ذلك مجرد هاجس، فهذا لا يضر بإخلاصه، وخصوصا إذا تأذى منه.. بل هذا يعتبر قمة الإخلاص، تأتيه وسواس، ولكن يقول: يا رب، خلصني من هذه الوساوس.. وخير علاج لذلك: عدم الاعتناء، والحوقلة (لا حول ولا قوة إلا بالله)، والإكثار من قول: (لا إله إلا الله).. فدواء وسوسة الصدر؛ الحوقلة والتهليل.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:46 AM
عنوان الزاد : تكرار التوبة و الاستغفار
إن الحر العاملي له باب في كتاب الوسائل بعنوان: "باب استحباب تكرار التوبة والاستغفار، كل يوم وليلة من غير ذنب، ووجوبه مع الذنب".
فإذن، إن الاستغفار على قسمين: الاستغفار بعد كل ذنب، وهو هنا واجب.. والاستغفار من غير ذنب، وهو مستحب.. ولكن هل الاستغفار لابد فيه من التلفظ مثل صيغة الإسلام، وعقد الزواج؟.. حيث أن الإنسان الذي يسلم بقلبه ولا يتلفظ الشهادتين، هذا ليس بمسلم.. والإنسان الذي يتزوج فتاة بقلبه، ولا يتلفظ النية: "تزوجت وقبلت" أيضا لا ينعقد النكاح.. فإذا أذنب الإنسان وندم في قلبه، وعزم على عدم العود، ولم يقل: (أستغفر الله ربي وأتوب إليه)؛ والاستغفار هو الندامة كما ورد في مناجاة الإمام زين العابدين (ع): (إلهي!.. إن كان الندم على الذنب توبة؛ فإني وعزتك من النادمين).. هل هذا توبته مقبولة أم لا؟..
إن صاحب كتاب العروة الوثقى، يقول: صيغة الاستغفار مستحبة، وإلا فإن المقدار الذي تتحقق به التوبة هي الندامة القلبية.. وعليه، فإن التلفظ بالصيغة مستحب، وفي الذنب لابد من الاستغفار، واحتياطا نتلفظ؛ وإلا فإن الندامة القلبية تكفي.
إن الله -عز وجل- يصف نبيه المصطفى (ص) في كتابه الكريم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}؛ هذا النبي العظيم لا يمكن صدور الذنب منه، ليس تكويناًً بل اختياراً، ومع ذلك ينقل الصادق (ع) عن جده المصطفى أنه كان يستغفر الله -عز وجل- في اليوم سبعين مرة.. عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله -عليه السلام- قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وآله- يتوب إلى الله -عز وجل- في كل يوم سبعين مرة).. قلت: أكان يقول: أستغفر الله وأتوب إليه؟.. قال: (لا، ولكن كان يقول: أتوب إلى الله).. قلت: إن رسول الله -صلى الله عليه وآله- كان يتوب ولا يعود، ونحن نتوب ونعود، قال: (الله المستعان)!..
لماذا لا يقول: أستغفر الله؟.. لأن الاستغفار يصدر من إنسان يعصي، فيطلب من الله -عز وجل- المغفرة.. والنبي (ص) ليس له ذنب يستغفر منه، وإنما يقول: أعود إلى الله.. والتوبة والعودة إلى الله -عز وجل- تكون من غير ذنب.
ما فائدة الاستغفار من غير ذنب؟..
إن رب العالمين يحب أن يرفع من درجة العبد بطريقين:
الطريق الأول: السبب الداخلي.. أي يكون هو السبب في رفع الدرجات، وذلك بالاستغفار.. فالذي يستغفر ربه من غير ذنب، رب العالمين يرفع من درجاته؛ لأنه لم يذنب ويستغفر.. أما إذا أذنب واستغفر؛ فإنه يحط عنه السيئات.. فالاستغفار من غير ذنب، يكون رفع درجات، لا كفارة سيئات.
الطريق الثاني: السبب الخارجي.. إذا لم يستغفر الإنسان، يصب عليه البلايا والمصائب؛ ليرفع من درجاته.. فأيهما أفضل: رفع الدرجة بالاستغفار، أم رفعها بالمحن؟.. المؤمن دائماً يسأل الله -عز وجل- العافية، فيقول: (يا ولي العافية!.. نسألك العافية).. والدليل على ذلك هذه الرواية: عن أبي عبد الله (عليه السلام) -في حديث- قال: (إن رسول الله -صلى الله عليه وآله- كان يتوب إلى الله ويستغفره، في كل يوم وليلة مائة مرة من غير ذنب.. إن الله يخص أولياءه بالمصائب؛ ليؤجرهم عليها من غير ذنب).
فإذن، إن المصائب والاستغفار كلاهما طريقان للأجر، والقرب إلى الله عز وجل.. وهناك محطتان للاستغفار: محطة نهارية، ومحطة ليلية.. المحطة النهارية: بعد صلاة العصر، حيث منتصف النشاط النهاري، يستحب الاستغفار بعد صلاة العصر سبعين مرة.. والمحطة الليلية: تكون في صلاة الليل، وكذلك يستحب الاستغفار سبعين مرة {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.. فالمؤمن الذي يستغفر بعد صلاة العصر مرة، وبعد صلاة الليل مرة؛ هذا يعد من المستغفرين كثيرا.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:47 AM
عنوان الزاد : مفهوم الزهد
إن من المفاهيم المتكررة في روايات أهل البيت (ع)، وفي القرآن الكريم؛ مفهوم الزهد.. هذا المفهوم يخيف البعض، حيث يظن أن الزهد في الدنيا، هو بالابتعاد عن نِعَمِ الله -عز وجل- وطيباته وزينته التي أخرج لعباده.. وهذا مفهوم خاطئ!.. والحال أن الزهد هو كما ورد عن معادن الحكمة (ع): (ليس الزهد أن لا تملك شيئا، بل الزهد ألا يملكك شيء)؛ أي لا يكون الإنسان أسيرا للدنيا.. مثلا: البعض إذا افتقد مبلغا يغضب ويتألم، فمادام غير مقصر، فإن تألمه معناها أنه أسير للدنيا.
إن الإمام علي (عليه السلام) يقول: (الزهد بين كلمتين من القرآن، قال الله سبحانه: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.. ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي؛ فقد أخذ الزهد بطرفيه).. بعض الناس يعمل بالشق الأول: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ}؛ إذا فاته شيء لا يحزن عليه، هذا جيد!.. ولكن الامتحان في الشق الثاني، وهو الامتحان الأصعب: {وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}.. مثلا: إنسان كسب مبلغا كبيرا، عليه أن لا يفرح؛ لأنه لا يعلم: هل هذا الذي ربحه هو لصالحه أم لا؟.. ولعل هذا الربح هو استدراج له!.. {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.
إن المؤمن لا يعيش هذه الحالة من التعلق، {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.. إذا كان هناك طريقان يمكن أن يسلكهما المؤمن في ذهابه إلى المسجد: أحدهما يمر على بيوت المترفين، والآخر يمر على الشارع العام؛ يفضل له أن يسلك الطريق الثاني.
عن أبي عبد الله (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع): (إن علامة الراغب في ثواب الآخرة؛ زهده في عاجل زهرة الدنيا.. أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا، لا ينقصه ما قسم الله له فيها وإن زهد.. وإن حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا، لا يزيده فيها وإن حرص.. فالمغبون من حرم حظه في الآخرة).. أي على الإنسان أن يزهد ولا يتعلق بهذه الدنيا، ورب العالمين يعطيه ما يعطيه.. بعض الشباب عندما يتعلق بفتاة يستميت للوصول إليها، ولكن عليه أن يقول: يا رب!.. إن كانت هذه الفتاة هي خير لي، أنت سقها إلي.. قال رسول الله (ص): (من كانت الآخرة همه: جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.. ومن كانت الدنيا همه: فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولا ينال من الدنيا إلا ما كتبه الله له).
فإذن، إن عليا (ع) يعلمنا هذا القانون، ثم يقول: (وإن حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا، لا يزيده فيها وإن حرص).. بعض الناس يتكالب على منصب، أو على وظيفة، أو على شركة، أو على ربح؛ أي يلهث وراء الدنيا، ولكن الدنيا تهرب منه.
إن هذه الحكمة تطرب الإنسان، وهي من كنوز أسرار أهل البيت (ع)، عن الإمام الصادق (ع): (إنّ القلب إذا صفا، ضاقت به الأرض حتّى يسمو).. إذا رأى الإنسان أن الدنيا ضيقة، لا يشبعه شيء منها؛ فليعلم أنه في أول الطريق.. فكل شيء في طريقه للأفول: الزوجة الجميلة، كلما مر عليها يوم، نحت من جمالها شيئا.. المنزل الجميل، بعد شهر من السكن فيه، يصبح عادياً؛ لأن لكل جديد بهجة ولذة!.. لذا، على الإنسان قبل أن تسلب منه كل هذه اللذائذ رغم أنفه، أن يعيد حساباته ويعدل فيها!..
إن الذين تربوا في مدرسة أهل البيت (ع) لهم كلمات حكمية، منها: (لا تكرار في التجلي)؛ أي صلاة ليل أمس لذتها غير لذة صلاة هذه الليلة.. وصلاة كل فريضة، لها طعم مختلف عن الفريضة الأخرى.. الذين يواظبون على الذهاب إلى الحج، السبب في ذلك: أنهم يجدون حلاوة في: الطواف، والسعي، وعرفة؛ هذه الحلاوة لا تتكرر، كل سنة هناك جديد.. هنيئاً لمن عاش التجلي في كل فريضة، بل في كل ساعة!.. بعض الناس يعطى كل ساعة حلاوة جديدة، غير الساعة التي قبلها.. هذه كنوز لم نتعرف عليها، لأن الدنيا ألهتنا حتى أصبحنا فيما نحن فيه!.
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:49 AM
عنوان الزاد : آية التطهير
إن من الآيات النازلة في حق أهل البيت (ع) آية التطهير: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.. هذه الآية واضحة في أنها تدل على أن الله -عز وجل- خص أهل البيت (ع) بهذه الخاصية.. والعبارات فيها تأكيد {لِيُذْهِبَ} اللام لام التأكيد، {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} أيضاً تأكيد.. فإذن، هناك تأكيد واضح أن هذا التطهير، وهذه العصمة؛ هي من لوازم الدعوة والتبليغ.. فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أُذهب عنه الرجس، والوصي كذلك.. ولولا هذه الصفة: لما صار النبي نبياً، ولا صار الوصي وصياً.
أولاً: هل يمكن للإنسان أن يصل إلى درجة من درجات التطهير؟..
ثانياً: لماذا طهر الله -عز وجل- أهل البيت، وأذهب عنهم الرجس؟..
النقطة الأولى: نعم، هنالك في القرآن الكريم آيات، نفهم منها أن الله -عز وجل- إذا أحب عبدا تصرف في قلبه!.. فالإنسان يجاهد في ترك المعاصي، وفعل الواجبات.. ولكن الله -عز وجل- يتصرف في قلوب البعض {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}؛ أي يصبح الحرام ثقيلا على نفس الإنسان، والواجب مستمتعا به.. وعندئذ لا تكلف في البين!.. فالذي يكره الحرام، سوف لن يرجع إليه.. أما الذي يحب الحرام، ويجاهد نفسه في عدم ارتكابه؛ فإنه سيسقط يوما في فخ الشيطان.. إذن، كما أن الله -عز وجل- أذهب الرجس عن أهل البيت بالدرجة العليا، هو قادر على أن يتصرف في قلوبنا، ويمكن أن نصل إلى درجة من درجات الطهارة.
النقطة الثانية: إن رب العالمين يزين الإيمان في قلب العبد، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان؛ متى يختص رب العالمين عبده بهذه الهبة؟..
إن هناك طريقين للوصول إلى هذه المرتبة:
الطريق الأول: المجاهدة المستمرة: أي أن الإنسان الذي يجاهد نفسه، ويراقب نفسه؛ يصل إلى هذه الدرجة.. فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعون سنة، وهو في حال مراقبة لنفسه.
الطريق الثاني: تقديم قربان لله: في العرف السياسي: إذا أطلقت دولة مساجين دولة أخرى عندها، فهذه الحركة يسمونها سياسة إبداء حسن نية.. فمثال على ذلك:
إن أبا الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} كان قد حطم الأصنام في أول حياته؛ لذا وصل إلى درجة الخلة..
وموسى (عليه السلام) تزوج من ابنة النبي شعيب (عليه السلام)، وصار خادما له {ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ}.. كل هذا من بركات عمل بسيط، {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}؛ {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}؛ هذه الحركة البسيطة جعلته صهرا لشعيب.. وعندما حملت زوجته أراد أن يقتبس لها نارا، وإذا برب العالمين يقول: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.. لاحظوا الترتيب: زواج، حمل، ذهاب لاقتباس نار، فإذ بموسى (عليه السلام) يرجع كليماً.. هكذا رب العالمين يرتب الآثار مرحلة بعد مرحلة!..
وكذلك عندما نذرت امرأة عمران نذراً: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}؛ فكانت الجائزة من رب العالمين أن تقبل منها نذرها، ووهب لها مريم التي {...أَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا}..
أما مريم (عليها السلام) فقد اصطفاها رب العالمين، واجتباها، ووهب لها عيسى (عليه السلام)؛ لأنها أحصنت فرجها {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا}.
فإذن، كل إنسان إذا أراد أن يتكامل ويتقدم إلى ربه بخطوات متسارعة، لا بد أن يقدم جهادا في سبيل ربه، ولو جهادا بسيطا!..
شاه زنان ~
02-08-2011, 05:50 AM
تم المبحث و لله الحمد ..
أسئلكم الدعاء لي ولوالديّ .. قلب1
نهج الولاء
02-08-2011, 06:42 AM
اللهم صلّ على محمد وآل محمد ..
يعطيش العافيه شهنونه ..
ان شاء الله اقدر اتم القراءه في الفتره القريبه جداً ..
يسلمو ^^ ..
سلام ولائي
نهج
شاه زنان ~
02-08-2011, 11:14 PM
منورة حبيبتي قلب1
حلم وردي
02-09-2011, 12:46 AM
موضوع رائع
ان شاء الله بحاول اني اقراء الاجزاء كلهم
يسلمو عمري شهنون
يعطيش الف الف عافية
الله يحقق مناش بحق محمد وآله الطاهرين
تحياتي
شاه زنان ~
02-19-2011, 02:43 PM
منورتناا حبيبت قلبي ..قلب1
بَاْرَآآن .."
07-03-2011, 01:59 PM
اللهم صل وسلم وزد وبارك على رسول الله وآله الأطهار ..
الله يقدركم على فعل الخير وآتيانه
حبيبتي شهنوون ماننحرم من اياديش الكريمة
وان شاء الله الله يوفقنا لقراءات هالنفحات النورانية من كلمات الشيخ ( ادام الله بركاته )
يعطيش الله الف الف الف عافية على المجهود
والله يحقق مرادش
تحية طيبة
بارآآن ..."
كفعمي العاملي
07-07-2011, 05:50 PM
http://www7.0zz0.com/2011/07/07/14/764732928.jpg (http://www.0zz0.com)
شاه زنان ~
08-07-2011, 11:08 AM
منورة .. عزيزتي باران قلب1
و اعرف انش تحبي الشيخ حبيب الكاظمي مثلي ;)
شاه زنان ~
08-07-2011, 11:09 AM
استاذي العزيز : كفعمي ..
شكراً لإضافتك الثرية و فيه كمان من المتسلسل موضوع مشابه
لاا حرمنا الله بركة وجودكم ..
vBulletin® v3.8.5, Copyright ©2000-2013, TranZ by Almuhajir