جارح
01-08-2008, 10:31 AM
نثير فيما يلي عدداً من الأسئلة عن بعض الجوانب العامة من واقعة كربلاء مما يرتبط بشخص الحسين(ع) جهد الإمكان بصفته الشخص الرئيسي والأهم هناك وكذلك بصفته الشخص الوحيد المعصوم المطلع على الواقعيات فيهم. نثير هذه الأسئلة لكي نستفيد من أجوبتها تاريخياً ومعنوياً.
السؤال الأول:
لاشك أن الإمام الحسين(ع) قد حصل تاريخياً أنه بعد قتل أصحابه وأهل بيته بقي وحيداً فريداً بين الأعداء . لا يجد له ناصراً ولا معينناً . فهل شعر بذلك من الناخية المعنوية؟
جوابه:
النفي بطبيعة الحال، لأنه يشعر أنه مع الله جل جلاله ومن كان مع الله كان الله معه. وقال الله تعالى إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم). وقال تعالى : ( فأذكروني أذكركم وأشكروا لي ولا تكفرون). وما دام الحسين (ع) مع الله سبحانه وتعالى إذن لا يهمه أن يكون أحد من الخلق معه على الإطلاق.
وقد يخطر في البال إن هذا الذي قلناه ينافي ما ورد عنه(عليه السلام) أنه قال في ذلك الحال: هل من ناصر ينصرنا هل من معين يعيننا هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله(ص). وهذا يدل على أنه طلب النصرة من الآخرين على أي حال. وهذا هو الفهم العام بالتأكيد لهذه العبارة. من كل من جعل الدنيا مبلغ عمله وأقصى همه وغاية تفكيره.
وهو لاشك يحتوي على سوء فهم فظيع لهذه العبارة. فإن الحسين(ع) إنما قالها لا لأجل نفسه وحاشاه أن ينظر إلى غير الله عز وجل.
والمهم في هذا الأمر شعر به عدد لا يستهان من الناس طول التاريخ ممن لا يتصف بالعصمة. فكيف حال المعصوم نفسه. وإنما نتخيل نحن غير ذلك لأننا لا نفهم مستوى المعصوم ولا يخطر في بالنا ما يمكن أن يكون عليه تجاه الله عز وجل وإنما طلب الناصر من قبله(ع) كان لفائدى الآخرين، بلا شك، ولكنه إتخذ تلك الحالة سبيلاً للنطق بتلك التعبيرات حتى لا يضع كل موعظة في غير محلها ولكي يتكلم مع الناس على قدر عقولهم.
وما يمكن أن يتصور من فوائد لهذه الجملة عدة أمور:-
الأمر الأول: طلب الناصر ممن يولد ويوجد خلال الأجيال ليكون محباً للحسين(ع) سائراً في طريقه مضحياً في سبيل دينه بمقدار ما يقتضيه حاله. وكل من كان كذلك في أي زمان ومكان فقد أجاب الحسين (ع) للنصرة.
الأمر الثاني: طلب الناصر من البشر الموجودين في ذلك العصر وتذكيرهم بمسؤوليتهم الكبرى المباشرة في الذب عن إمامهم المعصوم(ع) أمام الله عز وجل يكون موازياً لمضمون ما ورد من أن( من سمع واعيتنا أهل البيتثم لم يجبنا كبه الله على وجهه في نار جهنم).
الأمر الثالث: طلب الناصر من الجيش المعادي الواقع أمامه في ذلك الحين وذلك لنتيجتين: لأنهم عندما يسمعون ذلك فإما أن يستجيب منهم أحد أو لا. فإن لم يستجب كان هذا النداء حجة عليه قهراً في الآخرة وتركيزاً لأهمية عقابه، وإن إستجاب بعضهم كان هذا الندء رحمة وسبباً لتوبته وهدايته، كما تاب الحر الرياحي رضوان الله عليه ساعتئذ. وأثر هذا النداء في نفسه تأثيره الصحيحويكفينا أن نتصور : لو أن عدداً مهماً من الجيش المعادي قد إلتحق بالحسين(ع) أو إلتحق الجيش كله كيف سيكون حال التاريخ الإسلامي عندئذ. ولكنهم على أي حال لم يكونواً يستحقون التوبة ولا الرجوع عن الحوبة قبحهم الله.
ولا ينبغي أن يخطر على البال: أنه من خطل القول طلب النصرة من الأعداء مباشرة. ولم يحصل مثل ذلك خلال التاريخ البشري.
وجوابه: إن ذلك منطلق من عدة أسس لا يمكن أن تكون موجودة في غير الحسين(ع).
الأساس الأول: إنهم جميعاً يعلمون شأنه العظيم وقربه إلى رسول الله(ص) وفاطمة الزهراء (ع) وأنه سيد شباب الجنة وغير ذلك مما لا يخفاهم أجمعين.
الأساس الثاني: إن التعاليم العسكرية في ذلك الحين لم تكن متزمة وصارمة ودقيقة مثل ما عليه هذا اليوم. بل كان كل فرد من الجيش له رأيه وتفكيره وتصرفه كشخص إعتيادي تماماً. ومن هنا أمكن للحسين(ع) أن يتكلم معهم كأفراد أو بشر بغض النظر عن موقعهم العسكري.
الأساس الثالث: أن عامة هؤلاء الموجودين ضده ليسوا أعداء له بأشخاصهم بل العدو الحقيقي ليس إلا الحاكم الأموي. ثم المأمورون الأساسيون في الجيش كعبيد الله بن زياد الذي كان حاكماً على الكوفة يومئذ وعمر بن سعد الذي كان القائد العام للجيش المعادي للحسين(ع) وأضرابهم. أما الباقون فهم مجلوبون بأسباب عديدة أهمها الخوف والطمع وليسوا أعداءاً حقيقيين. ولذا قال قائلهم: قلوبنا معك وسيوفنا عليك. ولذا صح للإمام الحسين(ع) طلب النصرة منهم لأجل مصلحتهم لعلهم يتوبون أو يذكرون.
السؤال الثاني:
هل كان الإمام الحسين(ع) يدافع عن عصبية أو عنصرية من عشيرة أو جنس أو لغة أو غير ذلك أو كان يختص دفاعه من أجل الدين الحنيف.
ولعل هناك من محبيه وأعدائه على السواء من يعتقد أنه كان يدافع عن عنصرية أو قبلية وحاشاه . ومن هنا جاء أمثال قول الشاعر:
قوضي يا خيام علينا نزار فلقد قوض العماد الرفيع
وأملأي العين يا أمية نوماً فحسين على الصعيد صريع
وهو واضح بأن الحرب كان بين(نزار) المتمثل بالحسين(ع) و (أمية) المتمثل بيزيد بن معاوية. إذن فالحرب قبلية عنصرية وليست دينية. ونلاحظ مع شديد الأسف أن هذا الشاعر يشعر أنه محب للحسين(ع) وأنه مدافع عن قضيته، وإنه ممن يثير الأسى من أجله هكذا بالباطل تماماً مع شديد الأسف. فالبكاء ينبغي أن يكون على إعتقاد هذا الشاعر قبل أن يكون على مقتل الحسين(ع).
مع أنه لا يوجد على الإطلاق في التصريحات التي قالها الحسين(ع) وأصحابه قبل الواقعة أو فيها ما يدل على ذلك أو ما يشم منه ذلك من قريب أو بعيد. يكفينا الآن أن نتتحدى أي واحد من البشر أن يأتينا بنقل موثوق واحد عنهم رضوان الله عليهم دال على ثبوت هذه العصبية في نفوسهم. فإذا لم يأتنا أحد بذلك كفى ذلك حجة على ما نقول.
وأما في هذه العجالة فينبغي أن نستدل ببعض النصوص الدالة على أن الدفاع كان عن الدين وعن شريعة سيد المرسلين (ص). مضافاً إلى وضوح هذه الفكرة وهي أنهم لو كانوا يدافعون عن عصبية أو قبلية لما كانت لهم جنة ولذهبوا إلى النار جميعاً ولما أيدهم وبكى من أجلهم رسول الله (ص) وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء وزين العابدين والإمام الرضا وغيرهم من أولياء الله. فتأييدهم لهم دليل قطعي على صحة هدفهم وقصدهم في شهادتهم تلك. مضافاً إلى ما ننقل الآن من بعض تصريحاتهم.
أنشد الحسين (ع) خلال بعض حملاته:
أنا الحسين بن علي آليت ألا أنثني
أحمي عيالات أبي أمضي على دين النبي
وجمايته للعيال على القاعدة لأنه مسؤول عن حمايتهم من الأعداء ما دام حياً وهم نساء وأطفال عزل. وليس هذا من باب التعصب وأنشد علي بن الحسين الأكبر في بعض حملاته ضد الأعداء:
أنا علي بن الحسين بن علي نحن ورب البيت أولى بالنبي
والله لا يحكم فينا ابن الدعي أضربكم بالسيف أحامي عن أبي
ضرب غلام هاشمي قرشي
وكونه هاشمياً لا يعني كونها قضية يجب الدفاع عنها وإنما الهاشميون متصفون بصفات خاصة محجوبة عن غيرهم كالعزة الإجتماعية والشجاعة والخبرة في فنون الحرب.
كما أنشد العباس بن علي عدة مرات في حملاته ضد الأعداء منها قوله:
لا أرهب الموت أذا الموت زقا حتى أواري في المصاليت لقى
نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا إني أنا العباس أغدوا بالسقا
ولا أخاف الموت يوم الملتقى
وقوله بعد قطعه يمينه:
والله أن قطعتمو يميني إني أحامي أبداً عن ديني
وعن إمام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الأمين
وقوله بعد قطع يديه اليسرى:
يا نفس لا تخشي من الكفار وأبشري برحمة الجبار
مع النبي المصطفى المختار قد قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم يا رب حر النار
وقوله رضوان الله عليه عند إعراضه عن شرب الماء:
يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لا كنت أو تكوني
هذا حسين وارد المنون وتشربين بارد المعين
تا الله ما هذا فعال دين
وخطب زهير بن القين رضوان الله عليه وهو أحد مبرزي أصحاب الإمام الحسين(ع) وقال في خطبته بأن الله إبتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد(ص) لينظر ما نحن وأنتم عاملونأنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد.
وخطب برير بن خضير رضوان الله عليه ايضاً فقال: يا معشر الناس أن الل بعث محمداً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه وقد حيل بينه وبين إبن بنت رسول الله(ص) أفجزاء محمد هذا؟
وخطب الحر الرياحي بعد توبته مخاطباً الجيش المعادي وقال فيما قال: يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر، إذ دعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم إستلمتموه وزعمتم أنكم قالتوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه.... الخ)
وأنشد وهب بن حباب الكلبي خلال حملته أبيات يقول فيها:
إني زعيم لك أم وهب بالطعن فيهم تارة والضرب
ضرب غلام موقن بالرب حتى يذيق القوم مر الحرب
وأنشد حبيب بن مظاهر رضوان الله عليه في مثل ذلك وهو من مبرزي أصحاب الحسين(ع):
أنا حبيب وأبي مظاهر فارس هيجاء وحرب تسعر
أنتم أعد عدة وأكثر ونحن أوفى منكم وأصبر
ونحن أعلى حجة وأظهر حقاً وأنقى منكم وأعذر
وأنشد نافع بن هلال الجملي في مثل ذلك وهو أيضاً من مبرزيهم:
أنا الغلام اليمني الجملي ديني على دين حسين وعلي
إن إقتل اليوم فهذا أملي وذاك رأيي والاقي عملي
وأنشد جون مولى أبي ذر الغفاري وهو عبد أسود:
كيف يرى الكفار ضرب الأسود بالسيف ضرباً عن بني محمد
أذب عنهم باللسان واليد أرجوا به الجنة يوم المورد
وأنشد عمروا بن جنادة في مثل ذلك:
أميري حسين ونعم الامير سرور فؤاد البشير النذير
علي وفاطمة والده فهل تعلمون له من نظير
له طلعة مثل شمس الضحى له غرة مثل بدر منير
وأنشد الحجاج بن مسروق الجعفي:
أقدم حسين هادياً مهدياً اليوم ألقى جدك النبيا
ثم أباك ذا الندى عليا ذاك الذي تعرفه الوصيا
غلى غير ذلك من النصوص وفيما نقلناه الكفاية لوضوح الفكرة. وهو تسالم الحسين (ع) وأصحابه إلى خدمة الدين ونصر سيد المرسلين(ص).
وهذا ينبغي أن نلتفت إلى أن مقصد هذا المعسكر الشريف وإن كان ذلك الا ان مقصد المعسكر المعادي لا نبرؤه كل عنوان زائف وقصد دنيوي هزيل ، بما فيها العصبية والعنصرية والتعصب الأعمى. حتى لعل المعاندين منهم كانواً ينظرون إلى الحسين (ع بهذه الصفة وحاشاه.
السؤال الثالث من الأسئلة العامة حول الحسين(ع):
هل حصل للحسين وأصحابه الذل والمهانة في واقعة كربلاء؟
هناك بلا شك من يعتقد ذلك على أي حال، ومنه جاء قول الشاعر
ويصيح واذلاه أين عشيرتي وسراة قومي أين أهل ودادي
وحاشاه(سلام الله عليه) وليس هذا الا من الكذب على المعصومين(سلام الله عليهم)فيكون من أشد المحرمات، بل هو لا ينوي ذلك في قلبه فضلاً عن أن يقوله أو أن يصيح به كما يزعم الشاعر، وفي مقابله قول الشاعر
فأبى أن يعيش إلا عزيزاً أو تجلى الحتوف وهو صريع
بل القول بالذلة مخالف القرآن الكريم الذي يقوله: ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين). والحسين في زمانه ولا زال إمام المؤمنين وأولى المؤمنين بصفات الإيمان. ومن هنا جاء قوله(ع) في بعض خطبه ذاكراً طلب الحاكم الأموي للبيعة: ألا أن الدعي بن الدعي قد ركز بين إثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وهو واضح جداً بالإعتزاز بالإيمان والصمود في جانب الحق. وليس هذا من التكبر الباطل في شيء وإنما هو من الإعتزاز بالله ورسوله. حسبنا أن نسمع قوله: من اراد عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان وغنى من غير مال وطاعة من غير ذلة، فليتحول من ذل معصية الله إلى عز طاعة.
وليس لهم كبرياء مستقلة عن كبرياء الله عز وجل. ولاشك أن الحسين وأصحابه خيرة من يكون مصداقاً وتطبيقاً لهذه النصوص.
بل هو العزيز في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فلصموده وصبره وأما في الآخرة فللمقامات العليا التي ينالها بالشهادة.
نعم لاشك أن المعسكر المعادي وقادته أرادوا إذلاله وحاولوا إهانته. وهذا أكيد إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل. لأن الذلة الحقيقية إنما تحصل لو حصلت المبايعة للحاكم الأموي والخضوع له. تلك هي الذلة التي تجنبها الحسين(ع) بكل جهده وضحى ضدها بنفسه. وأما الصمود في ساحة القتال فلن يكون ذلة لا في نظر أصدقائه ولا في نظر أعدائه ولا في نظر ربه جل جلاله.
وهنا يخطر في البال: إن قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) دال على حصول الذلة لجيش النبي (ص) في واقعة بدر وإذا صح وصف جيش النبي (ص) بذلك صح وصف غيره بطرق أولى. فلماذا نتحاشى عن وصف الحسين وجيشه بالذلة.
وجوابه:
إن الآية الكيرمة غير دالة أصلاً على ثبوت الذلة بمعنى المهانة للنبي (ص) وجيشه، ولو دلت على ذلك لوجب تأويلها بما يناسب الحال. شأنها في ذلك شأن الظواهر القرآنية التي دل الدليل على عدم إمكان التعبد بظاهرها. وذلك من وجوه:-
الوجه الأول: إن المنظور هو الذلة بالمعنى العرفي يعني أن الإنطباع هو ذلك بغض النظر عن الإحساس به. وذلك مثل قوله تعالى : ( وأذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره).
وهذا تعبير عن إنطباع معين يمكن التعبير عنه بالذلة مجازاً بعد النظر إلى قلة المسلمين وضعفهم تجاه عدد الكفار وعدتهم وجبروتهم.
الوجه الثاني: إن المنظور في الآية هو الذلة لولا العناية الإلهية، وبالإستقلال عنها وإلا فمن غير المحتمل حصول الذلة مع وجود تلك لاعناية. ولاشك إن تلك العناية موجوده بإستمرار مع طرف الحق سواء كان الرسول (ص) أو الحسين(ع) أو أي شخص آخر مهم دينياً أو إلهياً.
الوجه الثالث: إن الآية وإن صرحت بالذلة إلا أنها لم تصرح بمن يكونون أذلاء أمامه، فلو تصورنا أنهم أذلة أمام الأعداء لورد الإشكال. ولكن يمكن أن نفهم أن المراد كونهم أذلاء أمام الله عز وجل . ونجعل التبشير بالنصر كقرينة متصلة على ذلك يعني أنه جل جلاله إنما نصرهم لأنهم كانوا أذلة أمامه وخاشعين له ومتوسلين به.
إذنن فالآية الكريمة لا تدل بحال على تحقيق الذلة الفعلية لطرف الحق إينما كان. ولو دلت على ذلك لتعارضت مع الآيات الأخرى جزماً، كقوله تعالى: ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. فتكون هذه الآيات أولى بالصحة، ويكون من الواجب تأوييل تلك الآية الكريمة وإذا تنزلنا جدلاً – عن التأويل أمكن تساقط دلالتها مع دلالة الآيات الأخرى. ومعه لا يبقى دليل على وجود الذلة.
السؤال الرابع:
هل إهتم الحسين(ع) بعياله؟
هذا ما يؤكد عليه الخطباء الحسينيون كثيراً. ولكني أعتقد أنه أمر لا ينبغي المبالغة فيه إطلاقاً. بل يجب أخذه من أقل زاوية وأضيق نطاق.
فإنه (ع) لو أراد الإهتمام الحقيقي بعياله، كما يعتني أهل الدنيا بعوائلهم ويحرصون عليهم، إذن لكان الأولى به أن يعمل أحد أمور:-
أولاً: أن يبايع الحاكم الأموي لينال الدنيا وأموالها، وزخارفها ويرتاح هو وأهله وعياله فيها خير راحة، بغض النظر عن الآخرة. أعوذ بالله من ذلك.
ثانياً: إن كان هو يريد عدم البيعة فليخرج بهم إلى اليمن و غيرها من بلاد الله ليكونوا سعداء مرتاحين.
ثالثاً: إن كان لا يريد ذلك فليتحمل القتل في المدينة المنورة، ولا حاجة إلى أن يخرج إلى العراق . لكي يكون هو المقتول ولا يكون على عياله من بأس . وقد ورد عنه: فإنهم لا يطلبون غيري ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم.
رابعاً: إن كان يريد الخروج إلى الكوفة فليدع عياله في المدينة مرتاحين في طيب العيش حتى يصل إليهم تارة أخرى أو يصل إليهم خبر مقتله.
ومن هنا قد يخطر في البال: أنه أخذ عياله معه لأجل قيامهن بالخدمات الإعتيادية في الأسرة كتقديم الطعام وغسل الثياب.
وجوابه:
إن هذا من خطل القول فإن هذه المهمة يمكن أن تكون موكولة على بعض الرجال المرافقين له. كما يمكن إستئجار نساء إعتياديات يقمن بها. ولا تكون هذه المهمة مبرراً لإصطحاب النساء الجليلات معه كزوجاته وبناته وأخته وغيرهم من الهاشميات. إذن فتعريضه لهن للتعب والسهر أولاً وللسبي ثانياً إطاعة لله عز وجل حين قال: ( شاء الله أن يراهن سبيا على أقتاب المطايا) ولكثير من المصاعب الأخرى، دليل صريح على أنه (ع) لم يهتم بهم الإهتمام الدنيوي المتوقع من اي واحد من أهل الدنيا. أنا أنه (ع) لماذا أخذ عياله معه فهذا ما سنجيب عليه في سؤال آت.
نعم ينحصر الإهتمام بالعيال بمقدار الضرورة، وقد فعل ذلك سلام الله عليه وذلك لأنه هو المسؤول الحقيقي والرئيسي عنهم أمام الله سبحانه، فلا يمكنه التخلي عن وظيفته الشرعية تجاههم، وذلك في عدة أمور:-
الامر الأول: حماية العيال من الأعداء ما دام حياً، ولذا ورد عنه:-
أحمي عيايات أبي أمضي على دين النبي
وقد ورد عنه أيضاً مخاطباً الجيش المعادي : أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح. إذن فهو عملياً كان يفديهم بنفسه.
الأمر الثاني: الإعتناء بشؤونهم بعد وفاته ومن هنا ورد أنه أوصى إلى أخته الحوراء زينب بنت أمير المؤمنين (ع) أن تقوم بهذه المهمة، حين كان ولده الإمام السجاد (ع) مريضاً لا يستطيع أن يقوم بشيء. وقد قامت سلام الله عليها بمهمتها خير قيام.
الأمر الثالث: العناية بهم في الدنيا والآخرة وخاصة وهو يعلم أنهم مقبلون على بلاء لا يكادون يطيقونه. وهو حالهم بعد مقتله(ع) ومن هنا وردت بعض التعليمات عنه. ولعل له تعليمات كثيرة لم تنقل في التاريخ. فمن ذلك قوله(ع): يا أخيه إني أقسم عليك فأبرى قسمي لا تشقي علي جيباً ولا تخمشي علي وجهاً ولا تدعي علي بالويل والثبور أنا إذا هلكت.
هذا ومع ذلك يبقى السؤال المهم عن العيال، وهو أنه عليه السلام لماذا أخذهم معه، و قل لماذا شاء الله أن يراهن سبايا على أقتاب المطايا. كما ورد عنه(ع) وهذا ما نجيب عليه ضمن السؤال الآتي.
السؤال الخامس:
لماذا أخذ عياله معه؟
وجوابه:
إننا في حدود تصورنا الممكن لنا يمكن أن نحدد ونعدد عدة مصالح حقيقية ومهمة لذاك نوجزها فيما يلي:
أولاً: أنه أخذهم إمتثالاً لأمر الله سبحانه لأنه هو الذي أمر بذلك. هذا صحيح أكيداً ومن شواهد تلك العبارة الواردة. شاء الله أن يراهن سبايا. ولكننا إذا أردنا الغرض من الحكمة الإلهية في ذلك. وإن الله سبحانه وتعالى لماذا أمره بذلك لم نجد هذا السبب وجهاً كافياً فنعود إلى الوجوه الأخرى التالية:
ثانياً: أنه أخذهم معه ليشاركوا في نيل الثواب العظيم المذخور لشهداء كرباء . كل منهم بمقدار إستحقاقه. فماذا يكون الثواب حكراً على الرجال دون النساء ولماذا يكون له منه حصة الأسد ويحرمون الباقون، بل الثواب ينبغي أن يوزع على أوسع نطاق ممكن وهكذا كان.
ثالثاً: إنهم جاءوا معه بطلب منهم وقد إستجاب لطلبهم فأخذهم معه. وقد جاء هذا الطلب حباً له وشوقاً إليه وإسيحاشاً من فراقه. وليس كل ذلك أمراً دنيوياً فحسب بل هو كذلك بصفته أمامهم وقائدهم وولي الله بينهم. مضافاً إلى توقعهم نيل الثواب معه، كما أشرنا في الوجه السابق.
رابعاً: إنهم جاءوا معه أو أنه أخذهم معه، بحسب الحكمة الإلهية ليكملوا ثورة الحسين (ع) بعد مقتله. كما حصل ذلك على أفضل وجه. وذلك بأن يكونوا ناطقين أمام المجتمع بأهداف الحسين (ع) وأهمية مقتله والزراء بأعدائه ويمارسوا الإعلام الواسع حين لا يكون الرجال قادرين على ذلك بعد موتهم وإستئصالهم.
وهذا الإعلام كان ضرورياً للمجتمع تماماً وغلا لذهبت حركة الحسين (ع) في طي النسيان والكتمان، ولما أثرت أثرها البليغ في مستقبل الدهر. فكان من الضروري في الحكمة الإلهية وجود النساء معه لكي يعبرن عن الحسين ويدافعن عنه بعد مقتله. ومن هنا( شاء الله أن يراهن سبايا). لأن هذا السبي دليل عملي قاطع على فضاعة أعدائهم وما يتصفون به من القسوة واللؤم وعدم العناية بالدين. وهذا وحده يكفي للإعلام إلى مصلحة الحسين(ع) فضلاً عن غيره.
وهذا التعريف المتأخر عن ثورة الحسين(ع) ليس لأجل مصلحة الحسين نفسه ولا لمصلحة أصحابه المستشهدين معه لأنهم نالوا بالشهادة ما رزقهم الله جل جلاله من المقامات العالية في الدار الآخرة. وإنما هذا الإعلام أراده الله سبحانه لأجل الناس وهداية المجتمع. فما يقال، من أنه إكمال ثورة الحسين(ع) يراد بها الجانب الظاهري في الدنيا،لا الجانب الباطني في الآخرة.
وهذا التعريف كما يصلح أن يكون تبكيتاً وفضحاً لأعداء الحسين(ع) في كل جيل. وردعاً عن التفكير في مثل هذه الجريمة النكراء لكل حاكم ظالم على مدى التاريخ كذلك يصلح لهداية الناس نحو الحسين وبالتالي نحو دين الله عز وجل ونحو أهداف الحسين الإلهية وبالتالي نحو طاعة الله عز وجل والتربية الصالحةفي إطاعة الدين وعصيان الشهوات والتمرد على كل ظلم وفساد، سواء كان في المجتمع أو في النفس الأمارة بالسوء.
فهذا هو الجواب على السؤال الرئيسي الرابع: هل إهتم الحسين(ع) بعياله.
السؤال السادس:
هل إغتم الحسين(ع) وحزن لوقوع هذا البلاء العظيم عليه وعلى أهل بيته وأصحابه؟
لعل من الواضح الجواب بالنفي لعدة إعتبارات .
منها: إن الحزن والبكاء فيه إشعار بالإعتراض على الله سبحانه وتعالى.
ومنها: إن الحزن والبكاء ناتج عن ضعف التحمل وقلة الصبر وحاشاه.
ومنها: ما ذكرناه فيما سبق من أن للشهادة في سبيل الله جانبان أهمهما الإستبشار برحمة الله ولطفه وإستشهدنا على ذلك بعدة نصوص سابقة.
وأما الحزن والبكاء المطلوب من محبي الحسين(ع) في الشريعة/ فلأن تكليفه عليه السلام يختلف عن تكليفنا وتقديره من تقديرنا ونظره إلى الأمور غير نظرنا. أما البكاء والحزن فهو لنا لأجل تربيتنا دينياً وثواباً أخروياً. وأما الإستبشار فله ولأصحابه لأجل الشعور بالسعادة بنعم الله ورحمته. وكلما ازداد البلاء كان أكثر نعمة ورحمة كما ورد . إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلوهم ثم الأمثل فالأمثل. وورد بما مضمونه: لولا الحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها لمدى ما يريد أن يعطيه من الثواب إلى غير ذلك من النصوص.
ومن علامات ما قلناه مث لما ورد عن علي بن الحسين الأكبر أنه قال لأبيه الحسين(ع) وهو في الرمق الأخير : هذا جدي رسول الله (ص) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها ابدا.
ومن دلائل ذلك أنه ورد عن العديد من الناس في التاريخ أنهم كانوا يدعون الله عز وجل للحصول على الشهادة ثم يشكرونه حين يجدون أنفسهم عندها. فكيف هو الحال في الحسين (ع) وأصحابه واهل بيته ومقدار إدراكهم لذلك.
ومن دلائل ذلك أيضاً ما ورد عنه أنه (ع) كشف لأصحابه وأهل بيته بعد أن إختبرهم وأحرز إخلاصهم كشف لهم عن بصائرهم وأراهم مواقعم في الجنة ليلة مقتلهم. فهشت نفوسهم إليها ورغبت بها فكانوا فرحين مستبشرين لذلك وهذا معنى ما سمعناه من قول حدهم: والله إني لمستبشر بما نحن لاقون والله أن ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم.
وقد يخطر في الذهن أن البكاء ليس دائماً على أمور الدنيا بل له مبررات عدية مما هو صحيح دينياً نذكر منها ما يلي:-
أولاً: البكاء من الذنوب.
ثانياً: البكاء شوقاً إلى الثواب.
ثالثاً: البكاء خوفاً من العقاب.
رابعاً: البكاء لأجل قلة الصبر على البلاء.
خامساً: البكاء لأجل إقامة الحجة على الخصوم.
فمن هنا يمكن أن يكون بعض هذه الأسباب موجوداً لدى الحسين (ع) وأصحابه.
جوابه:
أما الأسباب الثلاثة الأولى فهي خارجة عن محل كلامنا هنا لأننا نتكلم عن البكاء الناتج بسبب الواقعة نفسها. وأما البكاء لأجل قلة الصبر فهو غير صحيح للحسين (ع) لأنه معصوم. وأما غيره فلعدة أمور منها:-
أولاً: قوله تعالى: ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها). إذن فالبلاء أو أي شيء آخر لا يكون إلا بمقدار التحمل ويستحيل أن يكون أكثر من ذلك بمشيئة الله سبحانه.
ثانياً: الإستبشار الذي ذكرناه وكررنا الحديث عنه، فإنه مما يقوي العزيمة ويشد الهمة أو يمنع الإنهيار . فلا يكونلقلة الصبر مورد بالنسبة لهم، ليسبب لهم البكاء.
وأما السبب الأخير وهو إقامة الحجة على الأعدء . فهو صحيح إلا أنه ليس من ظيفة الشهداء أنفسهم وإنما هي وظيفة من بقي منهم من ذريتهم ونسائهم، لكي يكشفوا للعالم الخارجي عن أهمية الأمر وعظمة قضية الحسين(ع).
مضافاً إلى أن الأسلوب الوحيد لإقامة الحجة ليس هو البكاء بل ليس هو الأسلوب الأفضل. وإنما الأسلوب الأفضل هو الكلام والإفهام والبكاء أسلوب صامت وسلبي مهما كان مؤثراً. نعم حين لا يكون الكلام ممكناً يكون أسلوب البكاء لإقامة الحجة متعيناً. وهو ما فعلته فاطمة الزهراء (ع) بعد أبيها وفعلته زينب (ع) بعد أخيها الحسين(ع) وأصحابه وفعله الإمام السجاد بعد أبيه. إلى غير ذلك من الموارد
السؤال الأول:
لاشك أن الإمام الحسين(ع) قد حصل تاريخياً أنه بعد قتل أصحابه وأهل بيته بقي وحيداً فريداً بين الأعداء . لا يجد له ناصراً ولا معينناً . فهل شعر بذلك من الناخية المعنوية؟
جوابه:
النفي بطبيعة الحال، لأنه يشعر أنه مع الله جل جلاله ومن كان مع الله كان الله معه. وقال الله تعالى إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم). وقال تعالى : ( فأذكروني أذكركم وأشكروا لي ولا تكفرون). وما دام الحسين (ع) مع الله سبحانه وتعالى إذن لا يهمه أن يكون أحد من الخلق معه على الإطلاق.
وقد يخطر في البال إن هذا الذي قلناه ينافي ما ورد عنه(عليه السلام) أنه قال في ذلك الحال: هل من ناصر ينصرنا هل من معين يعيننا هل من ذاب يذب عن حرم رسول الله(ص). وهذا يدل على أنه طلب النصرة من الآخرين على أي حال. وهذا هو الفهم العام بالتأكيد لهذه العبارة. من كل من جعل الدنيا مبلغ عمله وأقصى همه وغاية تفكيره.
وهو لاشك يحتوي على سوء فهم فظيع لهذه العبارة. فإن الحسين(ع) إنما قالها لا لأجل نفسه وحاشاه أن ينظر إلى غير الله عز وجل.
والمهم في هذا الأمر شعر به عدد لا يستهان من الناس طول التاريخ ممن لا يتصف بالعصمة. فكيف حال المعصوم نفسه. وإنما نتخيل نحن غير ذلك لأننا لا نفهم مستوى المعصوم ولا يخطر في بالنا ما يمكن أن يكون عليه تجاه الله عز وجل وإنما طلب الناصر من قبله(ع) كان لفائدى الآخرين، بلا شك، ولكنه إتخذ تلك الحالة سبيلاً للنطق بتلك التعبيرات حتى لا يضع كل موعظة في غير محلها ولكي يتكلم مع الناس على قدر عقولهم.
وما يمكن أن يتصور من فوائد لهذه الجملة عدة أمور:-
الأمر الأول: طلب الناصر ممن يولد ويوجد خلال الأجيال ليكون محباً للحسين(ع) سائراً في طريقه مضحياً في سبيل دينه بمقدار ما يقتضيه حاله. وكل من كان كذلك في أي زمان ومكان فقد أجاب الحسين (ع) للنصرة.
الأمر الثاني: طلب الناصر من البشر الموجودين في ذلك العصر وتذكيرهم بمسؤوليتهم الكبرى المباشرة في الذب عن إمامهم المعصوم(ع) أمام الله عز وجل يكون موازياً لمضمون ما ورد من أن( من سمع واعيتنا أهل البيتثم لم يجبنا كبه الله على وجهه في نار جهنم).
الأمر الثالث: طلب الناصر من الجيش المعادي الواقع أمامه في ذلك الحين وذلك لنتيجتين: لأنهم عندما يسمعون ذلك فإما أن يستجيب منهم أحد أو لا. فإن لم يستجب كان هذا النداء حجة عليه قهراً في الآخرة وتركيزاً لأهمية عقابه، وإن إستجاب بعضهم كان هذا الندء رحمة وسبباً لتوبته وهدايته، كما تاب الحر الرياحي رضوان الله عليه ساعتئذ. وأثر هذا النداء في نفسه تأثيره الصحيحويكفينا أن نتصور : لو أن عدداً مهماً من الجيش المعادي قد إلتحق بالحسين(ع) أو إلتحق الجيش كله كيف سيكون حال التاريخ الإسلامي عندئذ. ولكنهم على أي حال لم يكونواً يستحقون التوبة ولا الرجوع عن الحوبة قبحهم الله.
ولا ينبغي أن يخطر على البال: أنه من خطل القول طلب النصرة من الأعداء مباشرة. ولم يحصل مثل ذلك خلال التاريخ البشري.
وجوابه: إن ذلك منطلق من عدة أسس لا يمكن أن تكون موجودة في غير الحسين(ع).
الأساس الأول: إنهم جميعاً يعلمون شأنه العظيم وقربه إلى رسول الله(ص) وفاطمة الزهراء (ع) وأنه سيد شباب الجنة وغير ذلك مما لا يخفاهم أجمعين.
الأساس الثاني: إن التعاليم العسكرية في ذلك الحين لم تكن متزمة وصارمة ودقيقة مثل ما عليه هذا اليوم. بل كان كل فرد من الجيش له رأيه وتفكيره وتصرفه كشخص إعتيادي تماماً. ومن هنا أمكن للحسين(ع) أن يتكلم معهم كأفراد أو بشر بغض النظر عن موقعهم العسكري.
الأساس الثالث: أن عامة هؤلاء الموجودين ضده ليسوا أعداء له بأشخاصهم بل العدو الحقيقي ليس إلا الحاكم الأموي. ثم المأمورون الأساسيون في الجيش كعبيد الله بن زياد الذي كان حاكماً على الكوفة يومئذ وعمر بن سعد الذي كان القائد العام للجيش المعادي للحسين(ع) وأضرابهم. أما الباقون فهم مجلوبون بأسباب عديدة أهمها الخوف والطمع وليسوا أعداءاً حقيقيين. ولذا قال قائلهم: قلوبنا معك وسيوفنا عليك. ولذا صح للإمام الحسين(ع) طلب النصرة منهم لأجل مصلحتهم لعلهم يتوبون أو يذكرون.
السؤال الثاني:
هل كان الإمام الحسين(ع) يدافع عن عصبية أو عنصرية من عشيرة أو جنس أو لغة أو غير ذلك أو كان يختص دفاعه من أجل الدين الحنيف.
ولعل هناك من محبيه وأعدائه على السواء من يعتقد أنه كان يدافع عن عنصرية أو قبلية وحاشاه . ومن هنا جاء أمثال قول الشاعر:
قوضي يا خيام علينا نزار فلقد قوض العماد الرفيع
وأملأي العين يا أمية نوماً فحسين على الصعيد صريع
وهو واضح بأن الحرب كان بين(نزار) المتمثل بالحسين(ع) و (أمية) المتمثل بيزيد بن معاوية. إذن فالحرب قبلية عنصرية وليست دينية. ونلاحظ مع شديد الأسف أن هذا الشاعر يشعر أنه محب للحسين(ع) وأنه مدافع عن قضيته، وإنه ممن يثير الأسى من أجله هكذا بالباطل تماماً مع شديد الأسف. فالبكاء ينبغي أن يكون على إعتقاد هذا الشاعر قبل أن يكون على مقتل الحسين(ع).
مع أنه لا يوجد على الإطلاق في التصريحات التي قالها الحسين(ع) وأصحابه قبل الواقعة أو فيها ما يدل على ذلك أو ما يشم منه ذلك من قريب أو بعيد. يكفينا الآن أن نتتحدى أي واحد من البشر أن يأتينا بنقل موثوق واحد عنهم رضوان الله عليهم دال على ثبوت هذه العصبية في نفوسهم. فإذا لم يأتنا أحد بذلك كفى ذلك حجة على ما نقول.
وأما في هذه العجالة فينبغي أن نستدل ببعض النصوص الدالة على أن الدفاع كان عن الدين وعن شريعة سيد المرسلين (ص). مضافاً إلى وضوح هذه الفكرة وهي أنهم لو كانوا يدافعون عن عصبية أو قبلية لما كانت لهم جنة ولذهبوا إلى النار جميعاً ولما أيدهم وبكى من أجلهم رسول الله (ص) وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء وزين العابدين والإمام الرضا وغيرهم من أولياء الله. فتأييدهم لهم دليل قطعي على صحة هدفهم وقصدهم في شهادتهم تلك. مضافاً إلى ما ننقل الآن من بعض تصريحاتهم.
أنشد الحسين (ع) خلال بعض حملاته:
أنا الحسين بن علي آليت ألا أنثني
أحمي عيالات أبي أمضي على دين النبي
وجمايته للعيال على القاعدة لأنه مسؤول عن حمايتهم من الأعداء ما دام حياً وهم نساء وأطفال عزل. وليس هذا من باب التعصب وأنشد علي بن الحسين الأكبر في بعض حملاته ضد الأعداء:
أنا علي بن الحسين بن علي نحن ورب البيت أولى بالنبي
والله لا يحكم فينا ابن الدعي أضربكم بالسيف أحامي عن أبي
ضرب غلام هاشمي قرشي
وكونه هاشمياً لا يعني كونها قضية يجب الدفاع عنها وإنما الهاشميون متصفون بصفات خاصة محجوبة عن غيرهم كالعزة الإجتماعية والشجاعة والخبرة في فنون الحرب.
كما أنشد العباس بن علي عدة مرات في حملاته ضد الأعداء منها قوله:
لا أرهب الموت أذا الموت زقا حتى أواري في المصاليت لقى
نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا إني أنا العباس أغدوا بالسقا
ولا أخاف الموت يوم الملتقى
وقوله بعد قطعه يمينه:
والله أن قطعتمو يميني إني أحامي أبداً عن ديني
وعن إمام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الأمين
وقوله بعد قطع يديه اليسرى:
يا نفس لا تخشي من الكفار وأبشري برحمة الجبار
مع النبي المصطفى المختار قد قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم يا رب حر النار
وقوله رضوان الله عليه عند إعراضه عن شرب الماء:
يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لا كنت أو تكوني
هذا حسين وارد المنون وتشربين بارد المعين
تا الله ما هذا فعال دين
وخطب زهير بن القين رضوان الله عليه وهو أحد مبرزي أصحاب الإمام الحسين(ع) وقال في خطبته بأن الله إبتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد(ص) لينظر ما نحن وأنتم عاملونأنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد.
وخطب برير بن خضير رضوان الله عليه ايضاً فقال: يا معشر الناس أن الل بعث محمداً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه وقد حيل بينه وبين إبن بنت رسول الله(ص) أفجزاء محمد هذا؟
وخطب الحر الرياحي بعد توبته مخاطباً الجيش المعادي وقال فيما قال: يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر، إذ دعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم إستلمتموه وزعمتم أنكم قالتوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه.... الخ)
وأنشد وهب بن حباب الكلبي خلال حملته أبيات يقول فيها:
إني زعيم لك أم وهب بالطعن فيهم تارة والضرب
ضرب غلام موقن بالرب حتى يذيق القوم مر الحرب
وأنشد حبيب بن مظاهر رضوان الله عليه في مثل ذلك وهو من مبرزي أصحاب الحسين(ع):
أنا حبيب وأبي مظاهر فارس هيجاء وحرب تسعر
أنتم أعد عدة وأكثر ونحن أوفى منكم وأصبر
ونحن أعلى حجة وأظهر حقاً وأنقى منكم وأعذر
وأنشد نافع بن هلال الجملي في مثل ذلك وهو أيضاً من مبرزيهم:
أنا الغلام اليمني الجملي ديني على دين حسين وعلي
إن إقتل اليوم فهذا أملي وذاك رأيي والاقي عملي
وأنشد جون مولى أبي ذر الغفاري وهو عبد أسود:
كيف يرى الكفار ضرب الأسود بالسيف ضرباً عن بني محمد
أذب عنهم باللسان واليد أرجوا به الجنة يوم المورد
وأنشد عمروا بن جنادة في مثل ذلك:
أميري حسين ونعم الامير سرور فؤاد البشير النذير
علي وفاطمة والده فهل تعلمون له من نظير
له طلعة مثل شمس الضحى له غرة مثل بدر منير
وأنشد الحجاج بن مسروق الجعفي:
أقدم حسين هادياً مهدياً اليوم ألقى جدك النبيا
ثم أباك ذا الندى عليا ذاك الذي تعرفه الوصيا
غلى غير ذلك من النصوص وفيما نقلناه الكفاية لوضوح الفكرة. وهو تسالم الحسين (ع) وأصحابه إلى خدمة الدين ونصر سيد المرسلين(ص).
وهذا ينبغي أن نلتفت إلى أن مقصد هذا المعسكر الشريف وإن كان ذلك الا ان مقصد المعسكر المعادي لا نبرؤه كل عنوان زائف وقصد دنيوي هزيل ، بما فيها العصبية والعنصرية والتعصب الأعمى. حتى لعل المعاندين منهم كانواً ينظرون إلى الحسين (ع بهذه الصفة وحاشاه.
السؤال الثالث من الأسئلة العامة حول الحسين(ع):
هل حصل للحسين وأصحابه الذل والمهانة في واقعة كربلاء؟
هناك بلا شك من يعتقد ذلك على أي حال، ومنه جاء قول الشاعر
ويصيح واذلاه أين عشيرتي وسراة قومي أين أهل ودادي
وحاشاه(سلام الله عليه) وليس هذا الا من الكذب على المعصومين(سلام الله عليهم)فيكون من أشد المحرمات، بل هو لا ينوي ذلك في قلبه فضلاً عن أن يقوله أو أن يصيح به كما يزعم الشاعر، وفي مقابله قول الشاعر
فأبى أن يعيش إلا عزيزاً أو تجلى الحتوف وهو صريع
بل القول بالذلة مخالف القرآن الكريم الذي يقوله: ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين). والحسين في زمانه ولا زال إمام المؤمنين وأولى المؤمنين بصفات الإيمان. ومن هنا جاء قوله(ع) في بعض خطبه ذاكراً طلب الحاكم الأموي للبيعة: ألا أن الدعي بن الدعي قد ركز بين إثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وهو واضح جداً بالإعتزاز بالإيمان والصمود في جانب الحق. وليس هذا من التكبر الباطل في شيء وإنما هو من الإعتزاز بالله ورسوله. حسبنا أن نسمع قوله: من اراد عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان وغنى من غير مال وطاعة من غير ذلة، فليتحول من ذل معصية الله إلى عز طاعة.
وليس لهم كبرياء مستقلة عن كبرياء الله عز وجل. ولاشك أن الحسين وأصحابه خيرة من يكون مصداقاً وتطبيقاً لهذه النصوص.
بل هو العزيز في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فلصموده وصبره وأما في الآخرة فللمقامات العليا التي ينالها بالشهادة.
نعم لاشك أن المعسكر المعادي وقادته أرادوا إذلاله وحاولوا إهانته. وهذا أكيد إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل. لأن الذلة الحقيقية إنما تحصل لو حصلت المبايعة للحاكم الأموي والخضوع له. تلك هي الذلة التي تجنبها الحسين(ع) بكل جهده وضحى ضدها بنفسه. وأما الصمود في ساحة القتال فلن يكون ذلة لا في نظر أصدقائه ولا في نظر أعدائه ولا في نظر ربه جل جلاله.
وهنا يخطر في البال: إن قوله تعالى : ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) دال على حصول الذلة لجيش النبي (ص) في واقعة بدر وإذا صح وصف جيش النبي (ص) بذلك صح وصف غيره بطرق أولى. فلماذا نتحاشى عن وصف الحسين وجيشه بالذلة.
وجوابه:
إن الآية الكيرمة غير دالة أصلاً على ثبوت الذلة بمعنى المهانة للنبي (ص) وجيشه، ولو دلت على ذلك لوجب تأويلها بما يناسب الحال. شأنها في ذلك شأن الظواهر القرآنية التي دل الدليل على عدم إمكان التعبد بظاهرها. وذلك من وجوه:-
الوجه الأول: إن المنظور هو الذلة بالمعنى العرفي يعني أن الإنطباع هو ذلك بغض النظر عن الإحساس به. وذلك مثل قوله تعالى : ( وأذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره).
وهذا تعبير عن إنطباع معين يمكن التعبير عنه بالذلة مجازاً بعد النظر إلى قلة المسلمين وضعفهم تجاه عدد الكفار وعدتهم وجبروتهم.
الوجه الثاني: إن المنظور في الآية هو الذلة لولا العناية الإلهية، وبالإستقلال عنها وإلا فمن غير المحتمل حصول الذلة مع وجود تلك لاعناية. ولاشك إن تلك العناية موجوده بإستمرار مع طرف الحق سواء كان الرسول (ص) أو الحسين(ع) أو أي شخص آخر مهم دينياً أو إلهياً.
الوجه الثالث: إن الآية وإن صرحت بالذلة إلا أنها لم تصرح بمن يكونون أذلاء أمامه، فلو تصورنا أنهم أذلة أمام الأعداء لورد الإشكال. ولكن يمكن أن نفهم أن المراد كونهم أذلاء أمام الله عز وجل . ونجعل التبشير بالنصر كقرينة متصلة على ذلك يعني أنه جل جلاله إنما نصرهم لأنهم كانوا أذلة أمامه وخاشعين له ومتوسلين به.
إذنن فالآية الكريمة لا تدل بحال على تحقيق الذلة الفعلية لطرف الحق إينما كان. ولو دلت على ذلك لتعارضت مع الآيات الأخرى جزماً، كقوله تعالى: ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. فتكون هذه الآيات أولى بالصحة، ويكون من الواجب تأوييل تلك الآية الكريمة وإذا تنزلنا جدلاً – عن التأويل أمكن تساقط دلالتها مع دلالة الآيات الأخرى. ومعه لا يبقى دليل على وجود الذلة.
السؤال الرابع:
هل إهتم الحسين(ع) بعياله؟
هذا ما يؤكد عليه الخطباء الحسينيون كثيراً. ولكني أعتقد أنه أمر لا ينبغي المبالغة فيه إطلاقاً. بل يجب أخذه من أقل زاوية وأضيق نطاق.
فإنه (ع) لو أراد الإهتمام الحقيقي بعياله، كما يعتني أهل الدنيا بعوائلهم ويحرصون عليهم، إذن لكان الأولى به أن يعمل أحد أمور:-
أولاً: أن يبايع الحاكم الأموي لينال الدنيا وأموالها، وزخارفها ويرتاح هو وأهله وعياله فيها خير راحة، بغض النظر عن الآخرة. أعوذ بالله من ذلك.
ثانياً: إن كان هو يريد عدم البيعة فليخرج بهم إلى اليمن و غيرها من بلاد الله ليكونوا سعداء مرتاحين.
ثالثاً: إن كان لا يريد ذلك فليتحمل القتل في المدينة المنورة، ولا حاجة إلى أن يخرج إلى العراق . لكي يكون هو المقتول ولا يكون على عياله من بأس . وقد ورد عنه: فإنهم لا يطلبون غيري ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم.
رابعاً: إن كان يريد الخروج إلى الكوفة فليدع عياله في المدينة مرتاحين في طيب العيش حتى يصل إليهم تارة أخرى أو يصل إليهم خبر مقتله.
ومن هنا قد يخطر في البال: أنه أخذ عياله معه لأجل قيامهن بالخدمات الإعتيادية في الأسرة كتقديم الطعام وغسل الثياب.
وجوابه:
إن هذا من خطل القول فإن هذه المهمة يمكن أن تكون موكولة على بعض الرجال المرافقين له. كما يمكن إستئجار نساء إعتياديات يقمن بها. ولا تكون هذه المهمة مبرراً لإصطحاب النساء الجليلات معه كزوجاته وبناته وأخته وغيرهم من الهاشميات. إذن فتعريضه لهن للتعب والسهر أولاً وللسبي ثانياً إطاعة لله عز وجل حين قال: ( شاء الله أن يراهن سبيا على أقتاب المطايا) ولكثير من المصاعب الأخرى، دليل صريح على أنه (ع) لم يهتم بهم الإهتمام الدنيوي المتوقع من اي واحد من أهل الدنيا. أنا أنه (ع) لماذا أخذ عياله معه فهذا ما سنجيب عليه في سؤال آت.
نعم ينحصر الإهتمام بالعيال بمقدار الضرورة، وقد فعل ذلك سلام الله عليه وذلك لأنه هو المسؤول الحقيقي والرئيسي عنهم أمام الله سبحانه، فلا يمكنه التخلي عن وظيفته الشرعية تجاههم، وذلك في عدة أمور:-
الامر الأول: حماية العيال من الأعداء ما دام حياً، ولذا ورد عنه:-
أحمي عيايات أبي أمضي على دين النبي
وقد ورد عنه أيضاً مخاطباً الجيش المعادي : أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح. إذن فهو عملياً كان يفديهم بنفسه.
الأمر الثاني: الإعتناء بشؤونهم بعد وفاته ومن هنا ورد أنه أوصى إلى أخته الحوراء زينب بنت أمير المؤمنين (ع) أن تقوم بهذه المهمة، حين كان ولده الإمام السجاد (ع) مريضاً لا يستطيع أن يقوم بشيء. وقد قامت سلام الله عليها بمهمتها خير قيام.
الأمر الثالث: العناية بهم في الدنيا والآخرة وخاصة وهو يعلم أنهم مقبلون على بلاء لا يكادون يطيقونه. وهو حالهم بعد مقتله(ع) ومن هنا وردت بعض التعليمات عنه. ولعل له تعليمات كثيرة لم تنقل في التاريخ. فمن ذلك قوله(ع): يا أخيه إني أقسم عليك فأبرى قسمي لا تشقي علي جيباً ولا تخمشي علي وجهاً ولا تدعي علي بالويل والثبور أنا إذا هلكت.
هذا ومع ذلك يبقى السؤال المهم عن العيال، وهو أنه عليه السلام لماذا أخذهم معه، و قل لماذا شاء الله أن يراهن سبايا على أقتاب المطايا. كما ورد عنه(ع) وهذا ما نجيب عليه ضمن السؤال الآتي.
السؤال الخامس:
لماذا أخذ عياله معه؟
وجوابه:
إننا في حدود تصورنا الممكن لنا يمكن أن نحدد ونعدد عدة مصالح حقيقية ومهمة لذاك نوجزها فيما يلي:
أولاً: أنه أخذهم إمتثالاً لأمر الله سبحانه لأنه هو الذي أمر بذلك. هذا صحيح أكيداً ومن شواهد تلك العبارة الواردة. شاء الله أن يراهن سبايا. ولكننا إذا أردنا الغرض من الحكمة الإلهية في ذلك. وإن الله سبحانه وتعالى لماذا أمره بذلك لم نجد هذا السبب وجهاً كافياً فنعود إلى الوجوه الأخرى التالية:
ثانياً: أنه أخذهم معه ليشاركوا في نيل الثواب العظيم المذخور لشهداء كرباء . كل منهم بمقدار إستحقاقه. فماذا يكون الثواب حكراً على الرجال دون النساء ولماذا يكون له منه حصة الأسد ويحرمون الباقون، بل الثواب ينبغي أن يوزع على أوسع نطاق ممكن وهكذا كان.
ثالثاً: إنهم جاءوا معه بطلب منهم وقد إستجاب لطلبهم فأخذهم معه. وقد جاء هذا الطلب حباً له وشوقاً إليه وإسيحاشاً من فراقه. وليس كل ذلك أمراً دنيوياً فحسب بل هو كذلك بصفته أمامهم وقائدهم وولي الله بينهم. مضافاً إلى توقعهم نيل الثواب معه، كما أشرنا في الوجه السابق.
رابعاً: إنهم جاءوا معه أو أنه أخذهم معه، بحسب الحكمة الإلهية ليكملوا ثورة الحسين (ع) بعد مقتله. كما حصل ذلك على أفضل وجه. وذلك بأن يكونوا ناطقين أمام المجتمع بأهداف الحسين (ع) وأهمية مقتله والزراء بأعدائه ويمارسوا الإعلام الواسع حين لا يكون الرجال قادرين على ذلك بعد موتهم وإستئصالهم.
وهذا الإعلام كان ضرورياً للمجتمع تماماً وغلا لذهبت حركة الحسين (ع) في طي النسيان والكتمان، ولما أثرت أثرها البليغ في مستقبل الدهر. فكان من الضروري في الحكمة الإلهية وجود النساء معه لكي يعبرن عن الحسين ويدافعن عنه بعد مقتله. ومن هنا( شاء الله أن يراهن سبايا). لأن هذا السبي دليل عملي قاطع على فضاعة أعدائهم وما يتصفون به من القسوة واللؤم وعدم العناية بالدين. وهذا وحده يكفي للإعلام إلى مصلحة الحسين(ع) فضلاً عن غيره.
وهذا التعريف المتأخر عن ثورة الحسين(ع) ليس لأجل مصلحة الحسين نفسه ولا لمصلحة أصحابه المستشهدين معه لأنهم نالوا بالشهادة ما رزقهم الله جل جلاله من المقامات العالية في الدار الآخرة. وإنما هذا الإعلام أراده الله سبحانه لأجل الناس وهداية المجتمع. فما يقال، من أنه إكمال ثورة الحسين(ع) يراد بها الجانب الظاهري في الدنيا،لا الجانب الباطني في الآخرة.
وهذا التعريف كما يصلح أن يكون تبكيتاً وفضحاً لأعداء الحسين(ع) في كل جيل. وردعاً عن التفكير في مثل هذه الجريمة النكراء لكل حاكم ظالم على مدى التاريخ كذلك يصلح لهداية الناس نحو الحسين وبالتالي نحو دين الله عز وجل ونحو أهداف الحسين الإلهية وبالتالي نحو طاعة الله عز وجل والتربية الصالحةفي إطاعة الدين وعصيان الشهوات والتمرد على كل ظلم وفساد، سواء كان في المجتمع أو في النفس الأمارة بالسوء.
فهذا هو الجواب على السؤال الرئيسي الرابع: هل إهتم الحسين(ع) بعياله.
السؤال السادس:
هل إغتم الحسين(ع) وحزن لوقوع هذا البلاء العظيم عليه وعلى أهل بيته وأصحابه؟
لعل من الواضح الجواب بالنفي لعدة إعتبارات .
منها: إن الحزن والبكاء فيه إشعار بالإعتراض على الله سبحانه وتعالى.
ومنها: إن الحزن والبكاء ناتج عن ضعف التحمل وقلة الصبر وحاشاه.
ومنها: ما ذكرناه فيما سبق من أن للشهادة في سبيل الله جانبان أهمهما الإستبشار برحمة الله ولطفه وإستشهدنا على ذلك بعدة نصوص سابقة.
وأما الحزن والبكاء المطلوب من محبي الحسين(ع) في الشريعة/ فلأن تكليفه عليه السلام يختلف عن تكليفنا وتقديره من تقديرنا ونظره إلى الأمور غير نظرنا. أما البكاء والحزن فهو لنا لأجل تربيتنا دينياً وثواباً أخروياً. وأما الإستبشار فله ولأصحابه لأجل الشعور بالسعادة بنعم الله ورحمته. وكلما ازداد البلاء كان أكثر نعمة ورحمة كما ورد . إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلوهم ثم الأمثل فالأمثل. وورد بما مضمونه: لولا الحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها لمدى ما يريد أن يعطيه من الثواب إلى غير ذلك من النصوص.
ومن علامات ما قلناه مث لما ورد عن علي بن الحسين الأكبر أنه قال لأبيه الحسين(ع) وهو في الرمق الأخير : هذا جدي رسول الله (ص) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها ابدا.
ومن دلائل ذلك أنه ورد عن العديد من الناس في التاريخ أنهم كانوا يدعون الله عز وجل للحصول على الشهادة ثم يشكرونه حين يجدون أنفسهم عندها. فكيف هو الحال في الحسين (ع) وأصحابه واهل بيته ومقدار إدراكهم لذلك.
ومن دلائل ذلك أيضاً ما ورد عنه أنه (ع) كشف لأصحابه وأهل بيته بعد أن إختبرهم وأحرز إخلاصهم كشف لهم عن بصائرهم وأراهم مواقعم في الجنة ليلة مقتلهم. فهشت نفوسهم إليها ورغبت بها فكانوا فرحين مستبشرين لذلك وهذا معنى ما سمعناه من قول حدهم: والله إني لمستبشر بما نحن لاقون والله أن ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم.
وقد يخطر في الذهن أن البكاء ليس دائماً على أمور الدنيا بل له مبررات عدية مما هو صحيح دينياً نذكر منها ما يلي:-
أولاً: البكاء من الذنوب.
ثانياً: البكاء شوقاً إلى الثواب.
ثالثاً: البكاء خوفاً من العقاب.
رابعاً: البكاء لأجل قلة الصبر على البلاء.
خامساً: البكاء لأجل إقامة الحجة على الخصوم.
فمن هنا يمكن أن يكون بعض هذه الأسباب موجوداً لدى الحسين (ع) وأصحابه.
جوابه:
أما الأسباب الثلاثة الأولى فهي خارجة عن محل كلامنا هنا لأننا نتكلم عن البكاء الناتج بسبب الواقعة نفسها. وأما البكاء لأجل قلة الصبر فهو غير صحيح للحسين (ع) لأنه معصوم. وأما غيره فلعدة أمور منها:-
أولاً: قوله تعالى: ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها). إذن فالبلاء أو أي شيء آخر لا يكون إلا بمقدار التحمل ويستحيل أن يكون أكثر من ذلك بمشيئة الله سبحانه.
ثانياً: الإستبشار الذي ذكرناه وكررنا الحديث عنه، فإنه مما يقوي العزيمة ويشد الهمة أو يمنع الإنهيار . فلا يكونلقلة الصبر مورد بالنسبة لهم، ليسبب لهم البكاء.
وأما السبب الأخير وهو إقامة الحجة على الأعدء . فهو صحيح إلا أنه ليس من ظيفة الشهداء أنفسهم وإنما هي وظيفة من بقي منهم من ذريتهم ونسائهم، لكي يكشفوا للعالم الخارجي عن أهمية الأمر وعظمة قضية الحسين(ع).
مضافاً إلى أن الأسلوب الوحيد لإقامة الحجة ليس هو البكاء بل ليس هو الأسلوب الأفضل. وإنما الأسلوب الأفضل هو الكلام والإفهام والبكاء أسلوب صامت وسلبي مهما كان مؤثراً. نعم حين لا يكون الكلام ممكناً يكون أسلوب البكاء لإقامة الحجة متعيناً. وهو ما فعلته فاطمة الزهراء (ع) بعد أبيها وفعلته زينب (ع) بعد أخيها الحسين(ع) وأصحابه وفعله الإمام السجاد بعد أبيه. إلى غير ذلك من الموارد