كفعمي
12-17-2007, 05:46 PM
• جانب من مواقف أبي بكر
إن المطلع على كتب التأريخ يجد شخصية أبو بكر أبعد ما تكون عن الشخصية التي يرسمها القوم له، ونستعرض جانباً من حياة هذه الشخصية ولكن بنظرة موضوعية فاحصة:
- أبو بكر يرفع صوته في محضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر : أمر القعقاع معبد بن زرارة قال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس قال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي قال عمر : ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }36 . 37
- أبو بكر كان ضمن أهل العقبة.
علاوة على ذلك يذكر إن أبو بكر وعمر كانا ضمن العصابة التي حاولت قتل النبي صلى الله عليه وآله في ليلة العقبة، وإن إبن حزم يذكر "وأما حديث حذيفة فساقط لأنه من طريق الوليد بن جميع وهو هالك ولا نراه يعلم من وضع الحديث فإنه قد روى أخبارا فيها أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم وإلقاءه من العقبة في تبوك وهذا هو الكذب الموضوع"38 . مع أن الوليد بن جميع وثقه يحيى بن معين والعجلي وقال أبو زرعة لا بأس به، وقال أبو حاتم صالح الحديث39 ، وذكره إبن حبان في الثقات 40 علاوة على ذلك كله فالرجل من رجال البخاري في الأدب المفرد41 ، ومن رجال صحيح مسلم42 . إذاً الرجل غير متهم عند أعلام القوم في الجرح والتعديل، وهو يشهد بأن أبا بكر وعمر بالأخص كانا ضمن العصابة التي حاولت قتل النبي صلى الله عليه وآله في العقبة. وهذا الخبر يعضد الأخبار الموجودة في كتبنا والتي تشير إلى هذا الأمر 43 . ولولا الإسهاب في هذا الجانب لذكرنا حادثة الصحفية الملعونة وما كان من مجرياتها، وكيف أن الخليفة الأول والثاني كانا من رجالها.44
- أبو بكر كان من الفارين في عدة غزوات.
تشير المصادر التأريخية أن الخليفة الأول لم يكن رجل حرب، بل على العكس من ذلك فقد سجل التأريخ له هروبه في الحرب، فمن غزوة أحد حيث يعترف هو بنفسه بأنه كان أول الراجعين إلى الرسول الله صلى الله عليه وآله 45 ، فهل يرجع للساحة إلا بعد أن ولى عنها؟ فهل ثبت الرجل كما يحاول القوم أن يدافعوا عنه؟ طبعاً لا وهو بنفسه يعترف بالأمر، وإلا أين أبو بكر في الخندق؟ أولم يسمع نداء إبن عبد ود وهو يرتجز :
و لقد بححت من النـداءبجمعكم هل من مبـارز
و وقفت إذ جبن الشجاعموقف الخصم المناجـز
إنـي كذلـك لــم أزلمتسرعا نحو الهزاهـز
إن الشجاعة في الفتـىو الجود من كرم الغرائز
بلى والله قد سمع تلك الإرجوزة هو وصاحبه ولم يجرء أحد منهم على الخروج إليه، كيف وقد عرفوا شخصه، إنه عمرو بن عبد ود العامري، فارس بألف فارس وبطل معركة يليل، لم يخرج إليه إلا أمير المؤمنين سلام الله عليه، و هو الذي أجابه
لاتعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة و الصدق منجي كل فائـز
إني لأرجو أن أقيم عليك نائحـة الجنائـز
من ضربة فوهاء يبقى ذكرها عند الهزاهـز
وفي غزوة حنين، فر الجميع وبقي العباس بن عبد المطلب عن يمين رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله, والفضل بن العباس بن عبد المطلب عن يساره , وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ممسك بسرجه عند لغد بغلته , وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب بين يديه يقاتل بسيفه , ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب , وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب , وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب , وعتبة , ومعتب ابنا أبي لهب بن عبد المطلب 46. علاوة على أن خيبر تشهد، فقد أثبت العلماء وأصحاب السير أن أبا بكر قد رجع ولم يفتح الله على يديه وهناك من صرح بأنه رجع منهزماً. 47
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}
48
فهذه لمحة بسيطة عن حياة أبي بكر في حياة النبي صلى الله عليه وآله فكيف وقد غيب الثرى بدر الدجى وأصبح من بعده العالم يتيماً؟ ونحن لسنا بصدد عرضٍ مفصل لحياة الخليفة الأول، فإن أردنا بحث وتقصي كل ما كان من حاله فلن تكفي هذه الوريقات لبيان مواقفه، وحسبك بإغتصاب الخلافة وما كان من تبعاتها. وإنما هذا البحث لتسليط الضوء على بعض الأحداث التي تبعد الرجل عن الأصحاب الذين ذكرهم الإمام زين العابدين سلام الله عليه في دعائه.
• جانب من مواقف عمر بن الخطاب
وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزي بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي ، أبو حفص العدوي، الملقب بالفاروق قيل لقبه بذلك أهل الكتاب 49 ، مواقفه كثيرة، ومخالفاته أكبر من أن تُحصى، وسنقتصر على ذكر اليسير منها، فقط لمعرفة هل تنطبق عليه الأوصاف التي ذكرها الإمام السجاد أم لا. ولن نعيد ما تم ذكره في نقطتنا السابقة "جانب من مواقف أبي بكر"، فقد ذكرنا بأن عمر كان شريكاً لأبي بكر في ما سبق.
- عمر بن الخطاب ومخالفاته للنبي صلى الله عليه وآله في حياته.
إن لشخصية عمر بن الخطاب دور بارز في الإعتراض على أقوال النبي صلى الله عليه وآله، لا سيما وأن المخالفين يذكرون إعتراضاته وأن السماء توافقه على ما يقول. وكأنه هو المُوحى إليه لا نبينا الأعظم عليه وعلى آله أفضل الصلوات. ومما يثير الدهشة أن تجد أن هذا الرجل الذي تعتبره طائفة عظيمة من المسلمين أنه الرجل الثاني بعد الرسول الله صلى الله عليه وآله وأنه هو الفاروق وخلعت عيله من الألقاب والمناقب حتى ذكرت بأن عمر بن الخطاب يكون أول من يصافح الحق تبارك وتعالى 50 أن تجد هذا الرجل يعترض على النبي صلى الله عليه وآله أشد الإعتراض يوم الحديبية، حتى أنه إعتبر فعل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله دنية للدين بقولته المشهورة "ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم" ويذكره النبي صلوات الله وسلامه عليه وآله بأنه رسول الله وأنه الله لا يضيع عمله. وهذه الحادثة أثبتتها كتب التأريخ والحديث والتفسير .51 والقول بالقول يُذكر إن إبن الخطاب له كلمة أيضاً ضمها له التأريخ في يوم الحديبية غير تلكم الكلمة وهي"والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ" 52وهذه حادثة خطيرة فنحن نسأل ما هو حكم الشاك في نبوة النبي صلى الله عليه وآله؟
سبق أن ذكرنا في السابق أن عمر بن الخطاب كان ضمن الفارين في معركة حنين حيث أثبت التأريخ أسماء الذين ثبتوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه وآله وأن إبن الخطاب لم يكن ضمنهم، مع أن هناك بعض المحاولات الحثيثة لزجه هو وضاحبه ضمن الذين ثبتوا إلا أن هذه المحاولات لا تقوم على دليل، هذه الأقاويل لا تعتبر دليلاً يُنهض به، ويحتج به، مالم يُدعم بروايات وقرائن تعضده، وكيف وقد دلت القرائن على فرارهم من المعركة؟ فالغريب أنك تجد إبن الخطاب يعترض على النبي صلى الله عليه وآله في قسمته للغنائم حيث يذكر مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب نفسه"قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقلت والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم قال إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني فلست بباخل"53 فإن الرجل يرى أن الرسول الله صلى الله عليه وآله لم يعدل بقسمته، وليس هذا فقط بل يُقسم بالله على ذلك. حقيقة الكلمة الوحيدة التي يمكن أن نقولها هنا هي مصائب. وأيضاً من المواقف التي تُعتبر عظيمة في حق رسول الله صلى الله عليه وآله عندما أراد أن يصلى على إبن سلول فجذبه عمر وقال له "أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين" 54 وكأن عمر بن الخطاب هو المؤيد والمسدد من السماء وإن النبي الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وآله تائهاً متخبطاً ينتظر في فعله وقوله تصحيح إبن الخطاب له.
و كانت الطامة الكبرى، وأُلقيت أعظم كلمة على النبي صلى الله عليه وآله والتي بسببها منع الناس من عصمة الضلال، وحادوا عن الصراط المستقيم الذي أراده النبي صلى الله عليه وآله، نعم إنها "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله"55 أو كما قال إبن تيمية في منهاجه إن عمر قال للنبي صلى الله عليه وآله إن النبي ليهجر 56 ، فإن هذه الكلمة لوحدها كفيلة بنسف عرى الإسلام، فهي لوحدها كفيلة بالتشكيك في أقوال النبي صلى الله عليه وآله، وبطبيعة الحال سيتم التشكيك بالقرآن الكريم لأن النبي صلى الله عليه وآله هو الواسطة في تلقي الوحيو إبلاغ القرآن، فإن جاز عليه الهجر أو أن يغلبه الوجع فيهذي بما لا يعرف، إنتفت عنه العصمة حتى في تبليغه للأحكام وهذه من لعمري مصيبة يشيب لها الطفل الرضيع.
الهوامش:
36. سورة الحجرات الآية 1-2
37. تفسير البغوي ج1 ص 333، تفسير الطبري ج11 ص 378
38. المحلى لإبن حزم ج11 ص 224
39. تهذيب الكمال للمزي ج31 ص 35 ط مؤسسة الرسالة
40. الثقات لإبن حبان ج5 ص 492 ط درا الفكر ترجمة رقم 5888
41. روى له البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 195 ط دار البشائر الإسلامية و قد علق الألباني على الحديث بأنه حسن
42. روى له مسلم في الصحيح برقم2779 ج4 ص 2143 ط دار إحياء التراث العربي
43. كتاب سيلم بن قيس الهلالي، الحديث رقم 20 ص 730 ط الهادي، الصراط المستقيم للعاملي ج3 ص 44
44. بحار الأنوار ج28 ص 101 ط مؤسسة الوفاء
45. راجع المستدرك للحاكم ج3 ص 29 و علق عليه الحاكم بأن الحديث صحيح الإسناد و أن الشيخان لم يخرجاه، وأخرجه البزار في مسنده ج1 ص 132، الأوائل للطبراني ص 91، مجمع الزوائد ج6 ص 161، الطبقات الكبرى ج3 ص 218
46. الإرشاد للشيخ المفيدج1 ص 141 ط دار المفيد، المعارف لإبن قتيبة أحداث السنة الثامنة للهجرة إلا أنه ذكر أن الثابتين هم سبعة فلم يذكر عتبة و معتب، الإستيعاب في معرفة الأصحاب ج1 ص 245، وذكره البلاذري في أنساب الأشراب في باب أمر العباس بن عبد المطلب و ولده.
47. تاريخ دمشق ج42 ص89، فتح الباري لإبن حجر ج7 ص 476، عمدة القاري ج14 ص 213، عيون الأثر ج2 ص 181، تفسير البغوي ج1 ص 306، مجمع الزوائدج9 ص 165 و يذكر بصريح العبارة أن أبابكر وعمر رجعا منهزمين من المعركة
48. الأنفال 15-16
49. البداية والنهاية لإبن كثير ج7 ص 133
50. سنن إبن ماجه ج1 ص 39، مستدرك الحاكم ج3 ص 90، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج1 ص 408، الأوائل لأبي عاصم الشيباني ص 75، تاريخ دمشق لإبن عساكر ج44 ص 157، حاشية إبن القيم على سنن إبن داوود ج12 ص 265، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 105
51. لمن أراد التوسع ومعرفة كل معطيات الحادثة فعليه مراجعة تفسير الطبري ج11 ص 331، تفسير إبن كثير ج4 ص 247، تفسير القرطبي ج16 ص 233، فتح القدير ج5 ص 65،صحيح البخاري ج2 ص 974، صحيح مسلم ج3 ص 1411مسند أحمد ج3 ص485، صحيح إبن حبان ج11 ص 216، المعجم الكبير ج6 ص 90، مسند أبي يعلى ج1 ص 364، مصنف إبن أبي شيبةج7 ص 384،تاريخ الطبري ج2 ص 122.
52. تفسير الطبري ج11 ص 356، تفسير البغوي ج1 ص 313، الدر المنثور ج7 ص 530، صحيح إبن حبان ج11 ص 216، المعجم الكبيرج20 ص 9، مصنف عبدالرزاق ج5 ص 332، تاريخ دمشق ج57 ص229، زاد المعادج3 ص 257، تاريخ الإسلام ج1 ص 264
53. صحيح مسلم ج2 ص 730
54. صحيح البخاري ج1 ص 427
55. صحيح البخاريج6 ص 2680، مسند أحمد ج1 ص 324
56. منهاج السنة ج6 ص 315
إن المطلع على كتب التأريخ يجد شخصية أبو بكر أبعد ما تكون عن الشخصية التي يرسمها القوم له، ونستعرض جانباً من حياة هذه الشخصية ولكن بنظرة موضوعية فاحصة:
- أبو بكر يرفع صوته في محضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر : أمر القعقاع معبد بن زرارة قال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس قال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي قال عمر : ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }36 . 37
- أبو بكر كان ضمن أهل العقبة.
علاوة على ذلك يذكر إن أبو بكر وعمر كانا ضمن العصابة التي حاولت قتل النبي صلى الله عليه وآله في ليلة العقبة، وإن إبن حزم يذكر "وأما حديث حذيفة فساقط لأنه من طريق الوليد بن جميع وهو هالك ولا نراه يعلم من وضع الحديث فإنه قد روى أخبارا فيها أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم وإلقاءه من العقبة في تبوك وهذا هو الكذب الموضوع"38 . مع أن الوليد بن جميع وثقه يحيى بن معين والعجلي وقال أبو زرعة لا بأس به، وقال أبو حاتم صالح الحديث39 ، وذكره إبن حبان في الثقات 40 علاوة على ذلك كله فالرجل من رجال البخاري في الأدب المفرد41 ، ومن رجال صحيح مسلم42 . إذاً الرجل غير متهم عند أعلام القوم في الجرح والتعديل، وهو يشهد بأن أبا بكر وعمر بالأخص كانا ضمن العصابة التي حاولت قتل النبي صلى الله عليه وآله في العقبة. وهذا الخبر يعضد الأخبار الموجودة في كتبنا والتي تشير إلى هذا الأمر 43 . ولولا الإسهاب في هذا الجانب لذكرنا حادثة الصحفية الملعونة وما كان من مجرياتها، وكيف أن الخليفة الأول والثاني كانا من رجالها.44
- أبو بكر كان من الفارين في عدة غزوات.
تشير المصادر التأريخية أن الخليفة الأول لم يكن رجل حرب، بل على العكس من ذلك فقد سجل التأريخ له هروبه في الحرب، فمن غزوة أحد حيث يعترف هو بنفسه بأنه كان أول الراجعين إلى الرسول الله صلى الله عليه وآله 45 ، فهل يرجع للساحة إلا بعد أن ولى عنها؟ فهل ثبت الرجل كما يحاول القوم أن يدافعوا عنه؟ طبعاً لا وهو بنفسه يعترف بالأمر، وإلا أين أبو بكر في الخندق؟ أولم يسمع نداء إبن عبد ود وهو يرتجز :
و لقد بححت من النـداءبجمعكم هل من مبـارز
و وقفت إذ جبن الشجاعموقف الخصم المناجـز
إنـي كذلـك لــم أزلمتسرعا نحو الهزاهـز
إن الشجاعة في الفتـىو الجود من كرم الغرائز
بلى والله قد سمع تلك الإرجوزة هو وصاحبه ولم يجرء أحد منهم على الخروج إليه، كيف وقد عرفوا شخصه، إنه عمرو بن عبد ود العامري، فارس بألف فارس وبطل معركة يليل، لم يخرج إليه إلا أمير المؤمنين سلام الله عليه، و هو الذي أجابه
لاتعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة و الصدق منجي كل فائـز
إني لأرجو أن أقيم عليك نائحـة الجنائـز
من ضربة فوهاء يبقى ذكرها عند الهزاهـز
وفي غزوة حنين، فر الجميع وبقي العباس بن عبد المطلب عن يمين رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله, والفضل بن العباس بن عبد المطلب عن يساره , وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ممسك بسرجه عند لغد بغلته , وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب بين يديه يقاتل بسيفه , ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب , وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب , وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب , وعتبة , ومعتب ابنا أبي لهب بن عبد المطلب 46. علاوة على أن خيبر تشهد، فقد أثبت العلماء وأصحاب السير أن أبا بكر قد رجع ولم يفتح الله على يديه وهناك من صرح بأنه رجع منهزماً. 47
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}
48
فهذه لمحة بسيطة عن حياة أبي بكر في حياة النبي صلى الله عليه وآله فكيف وقد غيب الثرى بدر الدجى وأصبح من بعده العالم يتيماً؟ ونحن لسنا بصدد عرضٍ مفصل لحياة الخليفة الأول، فإن أردنا بحث وتقصي كل ما كان من حاله فلن تكفي هذه الوريقات لبيان مواقفه، وحسبك بإغتصاب الخلافة وما كان من تبعاتها. وإنما هذا البحث لتسليط الضوء على بعض الأحداث التي تبعد الرجل عن الأصحاب الذين ذكرهم الإمام زين العابدين سلام الله عليه في دعائه.
• جانب من مواقف عمر بن الخطاب
وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزي بن رياح بن عبدالله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي ، أبو حفص العدوي، الملقب بالفاروق قيل لقبه بذلك أهل الكتاب 49 ، مواقفه كثيرة، ومخالفاته أكبر من أن تُحصى، وسنقتصر على ذكر اليسير منها، فقط لمعرفة هل تنطبق عليه الأوصاف التي ذكرها الإمام السجاد أم لا. ولن نعيد ما تم ذكره في نقطتنا السابقة "جانب من مواقف أبي بكر"، فقد ذكرنا بأن عمر كان شريكاً لأبي بكر في ما سبق.
- عمر بن الخطاب ومخالفاته للنبي صلى الله عليه وآله في حياته.
إن لشخصية عمر بن الخطاب دور بارز في الإعتراض على أقوال النبي صلى الله عليه وآله، لا سيما وأن المخالفين يذكرون إعتراضاته وأن السماء توافقه على ما يقول. وكأنه هو المُوحى إليه لا نبينا الأعظم عليه وعلى آله أفضل الصلوات. ومما يثير الدهشة أن تجد أن هذا الرجل الذي تعتبره طائفة عظيمة من المسلمين أنه الرجل الثاني بعد الرسول الله صلى الله عليه وآله وأنه هو الفاروق وخلعت عيله من الألقاب والمناقب حتى ذكرت بأن عمر بن الخطاب يكون أول من يصافح الحق تبارك وتعالى 50 أن تجد هذا الرجل يعترض على النبي صلى الله عليه وآله أشد الإعتراض يوم الحديبية، حتى أنه إعتبر فعل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله دنية للدين بقولته المشهورة "ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم" ويذكره النبي صلوات الله وسلامه عليه وآله بأنه رسول الله وأنه الله لا يضيع عمله. وهذه الحادثة أثبتتها كتب التأريخ والحديث والتفسير .51 والقول بالقول يُذكر إن إبن الخطاب له كلمة أيضاً ضمها له التأريخ في يوم الحديبية غير تلكم الكلمة وهي"والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ" 52وهذه حادثة خطيرة فنحن نسأل ما هو حكم الشاك في نبوة النبي صلى الله عليه وآله؟
سبق أن ذكرنا في السابق أن عمر بن الخطاب كان ضمن الفارين في معركة حنين حيث أثبت التأريخ أسماء الذين ثبتوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه وآله وأن إبن الخطاب لم يكن ضمنهم، مع أن هناك بعض المحاولات الحثيثة لزجه هو وضاحبه ضمن الذين ثبتوا إلا أن هذه المحاولات لا تقوم على دليل، هذه الأقاويل لا تعتبر دليلاً يُنهض به، ويحتج به، مالم يُدعم بروايات وقرائن تعضده، وكيف وقد دلت القرائن على فرارهم من المعركة؟ فالغريب أنك تجد إبن الخطاب يعترض على النبي صلى الله عليه وآله في قسمته للغنائم حيث يذكر مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب نفسه"قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقلت والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم قال إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني فلست بباخل"53 فإن الرجل يرى أن الرسول الله صلى الله عليه وآله لم يعدل بقسمته، وليس هذا فقط بل يُقسم بالله على ذلك. حقيقة الكلمة الوحيدة التي يمكن أن نقولها هنا هي مصائب. وأيضاً من المواقف التي تُعتبر عظيمة في حق رسول الله صلى الله عليه وآله عندما أراد أن يصلى على إبن سلول فجذبه عمر وقال له "أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين" 54 وكأن عمر بن الخطاب هو المؤيد والمسدد من السماء وإن النبي الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وآله تائهاً متخبطاً ينتظر في فعله وقوله تصحيح إبن الخطاب له.
و كانت الطامة الكبرى، وأُلقيت أعظم كلمة على النبي صلى الله عليه وآله والتي بسببها منع الناس من عصمة الضلال، وحادوا عن الصراط المستقيم الذي أراده النبي صلى الله عليه وآله، نعم إنها "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله"55 أو كما قال إبن تيمية في منهاجه إن عمر قال للنبي صلى الله عليه وآله إن النبي ليهجر 56 ، فإن هذه الكلمة لوحدها كفيلة بنسف عرى الإسلام، فهي لوحدها كفيلة بالتشكيك في أقوال النبي صلى الله عليه وآله، وبطبيعة الحال سيتم التشكيك بالقرآن الكريم لأن النبي صلى الله عليه وآله هو الواسطة في تلقي الوحيو إبلاغ القرآن، فإن جاز عليه الهجر أو أن يغلبه الوجع فيهذي بما لا يعرف، إنتفت عنه العصمة حتى في تبليغه للأحكام وهذه من لعمري مصيبة يشيب لها الطفل الرضيع.
الهوامش:
36. سورة الحجرات الآية 1-2
37. تفسير البغوي ج1 ص 333، تفسير الطبري ج11 ص 378
38. المحلى لإبن حزم ج11 ص 224
39. تهذيب الكمال للمزي ج31 ص 35 ط مؤسسة الرسالة
40. الثقات لإبن حبان ج5 ص 492 ط درا الفكر ترجمة رقم 5888
41. روى له البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 195 ط دار البشائر الإسلامية و قد علق الألباني على الحديث بأنه حسن
42. روى له مسلم في الصحيح برقم2779 ج4 ص 2143 ط دار إحياء التراث العربي
43. كتاب سيلم بن قيس الهلالي، الحديث رقم 20 ص 730 ط الهادي، الصراط المستقيم للعاملي ج3 ص 44
44. بحار الأنوار ج28 ص 101 ط مؤسسة الوفاء
45. راجع المستدرك للحاكم ج3 ص 29 و علق عليه الحاكم بأن الحديث صحيح الإسناد و أن الشيخان لم يخرجاه، وأخرجه البزار في مسنده ج1 ص 132، الأوائل للطبراني ص 91، مجمع الزوائد ج6 ص 161، الطبقات الكبرى ج3 ص 218
46. الإرشاد للشيخ المفيدج1 ص 141 ط دار المفيد، المعارف لإبن قتيبة أحداث السنة الثامنة للهجرة إلا أنه ذكر أن الثابتين هم سبعة فلم يذكر عتبة و معتب، الإستيعاب في معرفة الأصحاب ج1 ص 245، وذكره البلاذري في أنساب الأشراب في باب أمر العباس بن عبد المطلب و ولده.
47. تاريخ دمشق ج42 ص89، فتح الباري لإبن حجر ج7 ص 476، عمدة القاري ج14 ص 213، عيون الأثر ج2 ص 181، تفسير البغوي ج1 ص 306، مجمع الزوائدج9 ص 165 و يذكر بصريح العبارة أن أبابكر وعمر رجعا منهزمين من المعركة
48. الأنفال 15-16
49. البداية والنهاية لإبن كثير ج7 ص 133
50. سنن إبن ماجه ج1 ص 39، مستدرك الحاكم ج3 ص 90، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج1 ص 408، الأوائل لأبي عاصم الشيباني ص 75، تاريخ دمشق لإبن عساكر ج44 ص 157، حاشية إبن القيم على سنن إبن داوود ج12 ص 265، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 105
51. لمن أراد التوسع ومعرفة كل معطيات الحادثة فعليه مراجعة تفسير الطبري ج11 ص 331، تفسير إبن كثير ج4 ص 247، تفسير القرطبي ج16 ص 233، فتح القدير ج5 ص 65،صحيح البخاري ج2 ص 974، صحيح مسلم ج3 ص 1411مسند أحمد ج3 ص485، صحيح إبن حبان ج11 ص 216، المعجم الكبير ج6 ص 90، مسند أبي يعلى ج1 ص 364، مصنف إبن أبي شيبةج7 ص 384،تاريخ الطبري ج2 ص 122.
52. تفسير الطبري ج11 ص 356، تفسير البغوي ج1 ص 313، الدر المنثور ج7 ص 530، صحيح إبن حبان ج11 ص 216، المعجم الكبيرج20 ص 9، مصنف عبدالرزاق ج5 ص 332، تاريخ دمشق ج57 ص229، زاد المعادج3 ص 257، تاريخ الإسلام ج1 ص 264
53. صحيح مسلم ج2 ص 730
54. صحيح البخاري ج1 ص 427
55. صحيح البخاريج6 ص 2680، مسند أحمد ج1 ص 324
56. منهاج السنة ج6 ص 315